الدكتور قاسم زكي يكتب … شم النسيم.. حين يتحول الربيع إلى موسم اقتصادي واسع
من أسواق الأسماك المملحة إلى الزهور والحدائق والتنزه.. كيف تصنع مناسبة شعبية قديمة حركة تجارية متجددة كل عام؟

شم النسيم.. موسم اجتماعي واقتصادي معًا
ليس شم النسيم في مصر مجرد مناسبة موسمية للفرح أو يومًا عابرًا في أجندة العطلات، بل هو، في جوهره، موسم اجتماعي واقتصادي متكامل، تتقاطع فيه العادة الشعبية مع حركة الأسواق، وتلتقي فيه الذاكرة الحضارية مع حسابات العرض والطلب، وتتحول فيه نسمة الربيع إلى قوة دافعة لقطاعات متعددة، تبدأ من تجارة الأسماك المملحة ولا تنتهي عند النقل، والزهور، والحلويات، والحدائق، والمطاعم، والمنتزهات العامة.
فهذا العيد المصري القديم، الذي تعود جذوره إلى آلاف السنين، لم يبق حبيس الرموز الثقافية أو الطقوس التراثية، بل صار مع الزمن أحد المواسم التي تكشف بوضوح عن حيوية السوق المصرية، وقدرتها على التفاعل مع المناسبات الشعبية وتحويلها إلى دورة اقتصادية قصيرة لكنها كثيفة التأثير. وفي كل عام، ومع اقتراب شم النسيم، يبدأ السوق في الاستعداد المبكر، وتبدأ قطاعات كاملة في إعادة ترتيب أولوياتها على إيقاع هذا الموسم الاستثنائي.
الأسماك المملحة في صدارة المشهد
في مقدمة هذه القطاعات تأتي تجارة الأسماك المملحة، وعلى رأسها الفسيخ والرنجة والسردين، وهي منتجات ارتبطت في الوعي الشعبي المصري ارتباطًا وثيقًا بهذه المناسبة. ومع أن تناول هذه الأصناف جزء من الموروث الاحتفالي، فإن ما يجري في السوق قبل شم النسيم يكشف عن مشهد أكبر من مجرد شراء غذائي عادي. هنا ترتفع وتيرة الطلب، وتزداد حركة التداول، وتشتد المنافسة بين التجار، وتظهر الفوارق بوضوح بين المنتج الجيد والمنتج الرديء، وبين التاجر الذي يراهن على السمعة والجودة، وآخرين يطاردون الربح السريع ولو على حساب السلامة.
موسم استهلاك مركز وفرص موسمية
ولعل هذا الجانب يكشف أحد أهم ملامح شم النسيم كظاهرة اقتصادية، وهو أنه موسم استهلاك مركز في فترة زمنية قصيرة. فخلال أيام معدودة، تزداد المشتريات المرتبطة بالمناسبة على نحو ملحوظ، وتتحرك السيولة في مسارات بعينها، وتجد شرائح واسعة من التجار والباعة والمنتجين فرصة لتعويض فترات ركود سابقة أو لرفع حجم مبيعاتهم. وليس من المبالغة القول إن شم النسيم يمثل، بالنسبة إلى كثير من الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، موسمًا حقيقيًا يترقبونه سنويًا لما يحمله من فرص.
الخضروات والمكملات التقليدية على المائدة
ولا يقتصر الأمر على سوق الأغذية فقط، فهناك سوق الخضروات والمكملات التقليدية التي ترافق هذه المناسبة، مثل البصل الأخضر، والخس، والليمون، وغيرها من الأصناف التي تدخل في المائدة المرتبطة بشم النسيم. وهنا أيضًا تتحرك سلاسل التوريد من الحقول إلى الأسواق، ويجد المنتج الزراعي نفسه جزءًا من دورة موسمية تحكمها العادات الشعبية بقدر ما تحكمها آليات التجارة. فالمناسبة التي تبدو في ظاهرها عيدًا بسيطًا، تدفع فعليًا قطاعات زراعية وغذائية وتجارية إلى حالة من النشاط الملحوظ.
الزهور ونباتات الزينة.. ربيع ينعش السوق
ثم يأتي قطاع الزهور ونباتات الزينة، الذي يستفيد هو الآخر من أجواء الربيع ومن الميل العام لدى الناس إلى تزيين البيوت، أو شراء الورود، أو الاستمتاع بالمشاهد الطبيعية المفتوحة. صحيح أن الزهور ليست في قلب طقوس شم النسيم كما هي الحال مع الأسماك المملحة، لكنها جزء من المزاج العام للموسم، ومن الصورة البصرية التي ترافقه. ومع ارتفاع الإقبال على التنزه، والاحتفال، والتقاط الصور، والتجمع العائلي، تكتسب الأسواق المرتبطة بالجمال الربيعي حضورًا إضافيًا في هذه الفترة.
النقل والمواصلات.. اقتصاد الحركة في يوم العيد
كما تنشط في هذا التوقيت قطاعات النقل والمواصلات، سواء النقل العام أو الخاص، نتيجة حركة الخروج إلى الحدائق، والمتنزهات، والكورنيشات، والشواطئ، والمواقع المفتوحة. فشم النسيم ليس موسم شراء فقط، بل موسم حركة أيضًا. والناس لا يكتفون فيه بالتسوق، بل يخرجون بأعداد كبيرة من البيوت إلى الفضاء العام، بما ينعكس على استهلاك الوقود، وحركة المرور، وخدمات النقل التشاركي، والمطاعم الصغيرة، وباعة المشروبات، وحتى الأنشطة المؤقتة التي تزدهر بالقرب من أماكن التجمعات.

الحدائق والمتنزهات كمساحات للإنفاق الموسمي
وفي هذا السياق، تصبح الحدائق العامة والمتنزهات والكورنيشات جزءًا من الاقتصاد الموسمي للمناسبة. فهذه الأماكن لا تمثل فقط فضاءات للترفيه، بل تشكل مراكز جذب اقتصادي ليوم كامل أو أيام متتابعة، تستفيد منها فئات واسعة من أصحاب الأنشطة الصغيرة، من بائعي المأكولات الخفيفة إلى مصوري المناسبات، ومن باعة الألعاب إلى أصحاب المقاعد والخدمات المؤقتة. ومع كل أسرة تخرج للنزهة، تتولد سلسلة مصغرة من الإنفاق، قد تبدو محدودة في كل حالة على حدة، لكنها تتحول في مجموعها إلى كتلة اقتصادية محسوسة.
الاقتصاد الشعبي غير الرسمي.. وجه آخر للموسم
ومن زاوية أخرى، يكشف شم النسيم عن أهمية الاقتصاد الشعبي غير الرسمي في مصر. فهناك مئات، وربما آلاف، من الباعة الموسميين الذين لا ينتظرون هذا اليوم بوصفه مناسبة اجتماعية فقط، بل يرونه فرصة رزق مباشرة. هؤلاء ينتشرون في الأسواق المفتوحة، وحول الحدائق، وعلى جوانب الطرق، وفي المناطق التي تشهد كثافة بشرية. يبيعون كل شيء تقريبًا: الطعام، والمشروبات، والألعاب، والبالونات، والورود، والمقاعد، والخدمات السريعة. ومن خلالهم يتجلى وجه مهم من وجوه الاقتصاد المصري الذي يعيش على مرونة المواسم وقدرته على اقتناص اللحظة.
الرقابة والجودة وحماية المستهلك
غير أن هذا النشاط الاقتصادي، على أهميته، لا يخلو من تحديات. ففي مواسم الاستهلاك الكثيف، تبرز دائمًا قضية الرقابة والجودة وحماية المستهلك. وهنا يصبح شم النسيم اختبارًا حقيقيًا لكفاءة الأجهزة الرقابية، خصوصًا فيما يتعلق بسلامة الأغذية المتداولة، وتحديدًا الفسيخ والرنجة والأسماك المملحة عمومًا. فكل زيادة في الطلب تفتح الباب، بالضرورة، أمام محاولات الغش أو التداول غير الآمن أو رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه. ولذلك فإن نجاح الموسم لا يقاس فقط بحجم المبيعات، بل أيضًا بقدرة السوق والدولة معًا على ضمان تداول آمن ومنضبط وعادل.
شم النسيم والسياحة الداخلية
ومن المهم كذلك النظر إلى شم النسيم بوصفه فرصة لتنشيط السياحة الداخلية. فخروج الناس إلى المدن الساحلية، أو إلى المناطق النيلية، أو إلى المتنزهات الكبرى، أو إلى الأماكن التراثية المفتوحة، يمنح قطاعات الضيافة والخدمات دفعة إضافية. وقد لا يكون هذا الأثر بحجم مواسم الأعياد الكبرى أو الإجازات الطويلة، لكنه يظل مؤشرًا مهمًا على أن المناسبات الشعبية القديمة يمكن أن تتحول، إذا أُحسن تنظيمها، إلى أدوات فعالة لتحريك الاقتصاد المحلي في المحافظات والمدن.

حين تتحول الثقافة إلى سوق
واللافت أن شم النسيم يقدم نموذجًا واضحًا لكيف تتحول الثقافة إلى سوق، دون أن تفقد معناها الإنساني. فالناس لا يشترون لأن السوق طلب منهم ذلك، بل لأن الذاكرة الشعبية نفسها خلقت الطلب ووجّهت السلوك الاستهلاكي. وهذه نقطة شديدة الأهمية في فهم الاقتصاد المرتبط بالمناسبات، لأن السوق هنا لا يخلق المناسبة، بل المناسبة هي التي تخلق السوق. ومن ثم، فإن قراءة شم النسيم اقتصاديًا لا تنتقص من قيمته الثقافية، بل تكشف أحد أوجه قوته واستمراره.
عيد يحتفل بالحياة ويحرك الأسواق
في النهاية، يبدو شم النسيم أكثر من مجرد عيد ربيعي، وأكثر من مجرد نزهة أو مائدة موسمية. إنه موسم اقتصادي واجتماعي متكامل، تتحرك فيه التجارة على إيقاع العادة، وتنتعش فيه الأسواق بفضل الذاكرة، وتلتقي فيه البهجة الشعبية مع المصالح التجارية في مشهد مصري خالص. ومن هنا تأتي خصوصيته: فهو عيد يحتفل بالحياة، نعم، لكنه يذكّرنا أيضًا بأن وراء كل عادة شعبية راسخة شبكة كاملة من الأنشطة والأسواق والمصالح والفرص.
وهكذا، في كل ربيع، لا يخرج المصريون فقط إلى الحدائق والشوارع والكورنيشات، بل تخرج معهم الأسواق أيضًا، وتتنفس التجارة نسيمها السنوي، ويثبت شم النسيم من جديد أنه ليس مجرد مناسبة للفرح، بل أيضًا واحد من أكثر المواسم الشعبية قدرة على تحريك الاقتصاد من قلب الذاكرة.
دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كُتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين




