مقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (59)… بلاغ عاجل: آثارنا في مزاد عالمي!”

في مساء يوم الثلاثاء، الأول من يوليو 2025م، ظهر على وسائل التواصل الاجتماعي منشور أثار في نفسي الدهشة والأسى معًا. منشور لم يكن مجرد “خبر”، بل بمثابة ناقوس خطر يدق من قلب العاصمة البريطانية لندن، معلنًا بيع قطع أثرية مصرية نادرة في مزاد علني بدار “كريستيز” الشهيرة.

في هذا المقال من سلسة المقالات التي تتحدث عن تهريب الآثار المصرية، نتناول هذا المنشور، و صاحب المنشور هو الدكتور حسين دقيل، وهو باحث أكاديمي متخصص في الآثار، حاصل على الدكتوراه في الآثار اليونانية والرومانية من جامعة الإسكندرية، وله باع طويل في متابعة قضايا الآثار المصرية المهربة. ومنشوره الذي حمل عنوانًا صريحًا: بلاغ إلى من يهمه الأمر لم يكن مجرد رأي أو شكوى، بل كان توثيقًا معلنًا لمزاد دولي سيُقام في اليوم التالي مباشرة، ويُعرض فيه تسع قطع مصرية أثرية للبيع أمام العالم كله.

مزاد علني… والتاريخ يُباع:

وفق ما جاء في المنشور، فإن المزاد كان مقررًا له يوم الأربعاء 2 يوليو 2025م، وتعرض فيه دار “كريستيز” تسع قطع أثرية مصرية، تعود لعصور تاريخية مختلفة، وتغطي ما يزيد عن ألفي عام من التاريخ المصري. وبحسب وصف المزاد، فإن هذه القطع كانت ضمن مجموعة أوروبية خاصة، أي أنها مملوكة لشخص أو جهة أوروبية، وربما حصل عليها عبر وسطاء أو مزادات سابقة، أو – وهذا هو الأرجح – من خلال شبكات تهريب الآثار التي استباحت تراثنا على مدار عقود.

القيمة التقديرية لهذه القطع مجتمعة كانت نحو 500 ألف جنيه إسترليني، أي ما يعادل قرابة 34 مليون جنيه مصري. غير أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بالأموال، بل بما تمثله كل قطعة من هوية، وذاكرة، وسيادة وطنية.

من بين القطع المعروضة:

  • تابوت مصري خشبي مذهّب، متعدد الألوان، يعود للعصر الفرعوني المتأخر أو البطلمي (ما بين 400 ق.م -30 ق.م)، وتُقدّر قيمته بين 180 و220 ألف جنيه إسترليني.
  • تابوت خشبي آخر من الدولة الوسطى، وتحديدًا من الأسرة الثانية عشرة (ما بين 1976 ق.م و1853 ق.م)، يقدر سعره بـ 50 إلى 80 ألف جنيه إسترليني.
  • رأس من الجرانيت الأسود لمسؤول مصري رفيع من الدولة الحديثة، الأسرة الثامنة عشرة (1550 ق.م–1390 ق.م)، تتراوح قيمته بين 40 و60 ألف جنيه إسترليني.
  • صقر حورس برونزي، من العصر الفرعوني المتأخر أو البطلمي، يُقدر سعره بين 30 و50 ألف جنيه إسترليني.
  • تمثال برونزي لملك شاب، يُرجح أنه رمسيس الثالث، من الأسرة العشرين، قيمته من 20 إلى 30 ألف جنيه إسترليني.
  • رأس امرأة من البازلت من العصر البطلمي (323–30 ق.م)، بسعر يتراوح بين 20 و30 ألفًا.
  • قطعة نسيج قبطي تعود إلى القرنين الرابع والخامس الميلاديين، تُقدر قيمتها بين 10 و15 ألف جنيه إسترليني.
  • تمثال مزدوج لحربوقراط، من العصر البطلمي، سعره يتراوح بين 6 و8 آلاف.
  • خاتم فضة يحمل خرطوشًا للملك باديس من الأسرة السادسة والعشرين (664–525 ق.م)، تتراوح قيمته بين 3 و5 آلاف جنيه.

الأسئلة التي يجب أن تُطرح:

من أين خرجت هذه القطع؟ متى وكيف؟ وهل كانت مسجلة ضمن ممتلكات مصرية رسمية؟ وإذا لم تكن كذلك، فهل كانت في حوزة أفراد أو مخازن خاصة؟ وإذا كانت خرجت قبل عقود طويلة، فلماذا لا تتحرك الدولة لاستردادها كما فعلت في حالات سابقة مثل تابوت “شا آمون إن سو”؟

الأخطر من كل ذلك أن هذا المزاد وغيره يُقام علانية، ويُروّج له عبر الإنترنت، ومع ذلك تمر الأمور دون تعليق رسمي أو تحرك قانوني سريع، وكأن بيع التراث المصري أصبح أمرًا عاديًا اعتدنا عليه!

اخترنا لك : الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (58)… سرقة الآثار من مخزن دار العلم

بلاغ إلى من يهمه الأمر… مجددًا:

ما كتبه الدكتور دقيل، وما عرضته دار المزادات، ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو جزء من مسلسل طويل ومُمنهج من التعدي على الآثار المصرية وتهريبها وشرعنة بيعها في الخارج. وحتى لو قيل إن بعض القطع خرج قبل اتفاقيات اليونسكو، أو بيعت من أفراد أجانب، فإن السكوت على هذه الوقائع يغري المهربين أكثر، ويبعث برسالة سلبية للرأي العام العالمي.

آن الأوان أن تتحرك الدولة المصرية بكل أجهزتها، من وزارة الآثار إلى وزارة الخارجية، ومن السفارات إلى المحاكم الدولية، لوقف هذه المزادات، أو على الأقل المطالبة بتجميد بيع القطع المشتبه في تهريبها أو إثبات مصريتها. كما يجب التنسيق مع اليونسكو والجهات الدولية لحماية التراث من هذه الممارسات، وتجريم التعامل مع الآثار التي لا تملك أصلًا موثقًا ومشروعًا.

وماذا حدث في اليوم الموعود:

نعم، في اليوم المحدد ولمواجهة الأصوات المصرية، انطلق المزاد تحديدًا في الساعة 10:00 صباحًا بتوقيت لندن صبيحة يوم الأربعاء 2  يوليو 2025م وبيعت معظم القطع المصرية بأسعار تجاوزت التقديرات الأصلية، ما يعكس الطلب العالمي القوي. ولم يتصاعد أي تحرك دبلوماسي أو قضائي مصري فاعل في اللحظة الحاسمة.  وأسفرت نتائجه عن بيع غالبية القطع التي أثارت الجدل في اليوم السابق:

  • تابوت بطلمي مذهّب وملوّن كان التقدير له بين 180–220 ألف جنيه إسترليني، وبيعت في النهاية بـ 302 ألف جنيه إسترليني.
  • تمثال من الجرانيت الأسود لمسؤول من الأسرة الثامنة عشرة (التقدير 40–60 ألف جنيه)، تم بيعه بـ81,900 جنيه إسترليني.
  • تمثال صقر حورس برونزي (التقدير 30–50 ألف جنيه) وصل إلى 100,800 جنيه إسترليني .
  • تابوت من الدولة الوسطى قدّر بـ50–80 ألف جنيه، بيع بـ126 ألف جنيه إسترليني.

بهذا تكون هذه القطع – بما فيها الأبرز – قد غادرت لندن تحت أيدي مشترين دوليين، بعد أن تجاوزت أسعارها الرسمية بنسب ملحوظة. لم تُذكر معلومات عن أي تدخل رسمي مصري في اللحظات الأخيرة لإيقاف أو تجميد البيع.

في الختام: إن هذه القضية ليست شأنًا ثقافيًا فقط، بل هي قضية أمن قومي، تتعلق بهوية المصريين وكرامتهم وتاريخهم. فلا يمكن لبلد يُفاخر بأهراماته ومعابده ومتاحفه أن يقف صامتًا بينما يُباع تاريخه قطعة قطعة على طاولات المزادات، وتُقتطع ذاكرته في صفقات معلنة للعالم كله.

فهل من مجيب؟

بقلم: د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة بكلية الزراعة – جامعة المنيا
عضو اتحاد الأثريين المصريين ، عضو اتحاد كتاب مصر، عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى