مقالات

عمر عبد الحميد يكتب: الأسئلة المشروعة في أزمة “إيفر جرو” (2)… ضعف الإفصاح يفاقم الغموض

في الجزء الأول من تناول أزمة رجل الأعمال محمد الخشن، رئيس مجلس إدارة شركة إيفر جرو للأسمدة المتخصصة، طرحنا مجموعة من التساؤلات وعلامات الاستفهام التي تستدعي إجابات واضحة وشفافة، باعتبار أن معرفة الحقيقة حق أصيل للرأي العام.
تركزت أبرز هذه التساؤلات حول توقيت تصاعد الأزمة، وأسباب الزج بالحياة الشخصية لرجل الأعمال، فضلًا عن صمت القطاع المصرفي، وتأثير التناول غير المهني للمعلومات الاقتصادية على مناخ الاستثمار في مصر.
اليوم، يبدو أن ضعف الإفصاح – سواء من جانب الشركة أو من البنك المركزي – لم يؤدِ إلا إلى تعميق حالة الغموض، دون تقديم إجابات شافية للرأي العام، بما في ذلك المواطن البسيط الذي يواجه صعوبات كبيرة للحصول على تمويل محدود من الجهاز المصرفي.
بيان البنك المركزي… رسائل عامة بلا إجابات حاسمة
للبنوك المركزية في العالم أدوار واضحة، في مقدمتها الرقابة على القطاع المصرفي والحفاظ على استقراره، وكان من الأولى أن ينأى البنك المركزي المصري بنفسه عن الانخراط في نزاع بين بنوك تابعة لرقابتة وأحد كبار المقترضين، تاركًا إدارة الملف للبنوك الدائنة أو الجهة الممثلة لها في مفاوضات إعادة الهيكلة.
البيان الصادر لم يحمل إجابات حاسمة، بل بدا أقرب إلى محاولة لاحتواء جميع الأطراف؛ فالمشككون وجدوا فيه إقرارًا بوجود تعثر، فيما تمسك المدافعون بالإشادة بتاريخ العميل وعلاقته بالمصارف. وبين هذا وذاك، غابت الحقائق التفصيلية.
اخترنا لك : عمر عبد الحميد يكتب : الأسئلة المشروعة في أزمة “إيفر جرو” (1)
ورغم دعوة البنك المركزي إلى تحري الدقة والاعتماد على المصادر الرسمية، فإنه لم يقدم إجابات مباشرة على تساؤلات جوهرية، من بينها:
  • ما الحجم الحقيقي للمديونية، أصلًا وفوائد؟
  • هل قامت الشركة بسداد أي جزء من المديونية خلال الفترة الماضية؟
  • لماذا لم يتم الإفصاح عن تفاصيل اتفاقية إعادة الجدولة، ليغلق الباب نهائيًا أمام المشككين في سلامة الإجراءات؟
  • هل حصلت البنوك على ضمانات إضافية، لضمان إلتزام العميل بالسداد؟
  • الشركة حملت سياسات سعر الصرف والفائدة، مسئولية الأزمة، فهل تم تخفيض قيمة المديونية او الفائدة؟
  • كيف تم تسريب بيانات مديونية بهذا الحجم؟ وهل فُتح تحقيق في الواقعة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل ضرورة لطمأنة المودعين وتعزيز الثقة في صلابة الجهاز المصرفي.
بيان «إيفر جرو»… سرد انتقائي وتساؤلات مفتوحة
أما بيان الشركة، فبدلًا من أن يقدم صورة شاملة، بدا أقرب إلى سرد انتقائي يركز على تحميل المتغيرات النقدية – وفي مقدمتها تحرير سعر الصرف وارتفاع الفائدة – مسؤولية تضخم المديونية، دون التطرق الكافي إلى التحديات التشغيلية أو القرارات الاستثمارية للشركة.
اكتفى البيان بالإشارة إلى أصل الدين في عام 2021 (11.8 مليار جنيه)، مع مقارنة تطورات سعر الصرف والفائدة حتى عام 2026، لكنه تجاهل تحليل الأداء المالي والتشغيلي للشركة خلال هذه الفترة.
قطاع الأسمدة المتخصصة والكيماويات شهد نموًا ملحوظًا محليًا وتصديريًا في سنوات الأزمة، وهناك عشرات بل مئات الشركات التي حصلت علي تمويلات من القطاع المصرفي سواء بالعملة المحلية أو بالدولار، لماذا لم تمر بنفس الأزمة
في ظل هذا القصور في الإفصاح، تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية:
  • كيف تم توظيف القروض؟ ولماذا لم يحقق العوائد المرجوه لسداد الأقساط في موعدها؟
  • هل تعمل مصانع إيفر جرو بكامل طاقتها الإنتاجية، أم هناك أزمة في التشغيل أو تسويق منتجاتها؟
  • ما حجم المبيعات السنوية ومعدلات الربحية، ولماذا فشلت الشركة في التوازن بين إيرداتها ومصروفاته؟
  • ما القيمة الفعلية للصادرات لأكثر من 80 دولة، وحجم الواردات من الخامات، وهل الإيردات الدولارية لا تكفي لإستيراد الخامات؟
صحيح أن الشركة غير ملزمة قانونًا بالإفصاح التفصيلي لكونها غير مدرجة في البورصة، لكن في ظل أزمة تمس سمعتها، يصبح الإفصاح الطوعي المدعوم بالأرقام ضرورة لاستعادة الثقة.
الخلاصة
أزمة «إيفر جرو» ليست استثناءً، لكنها تكشف مجددًا أن غياب الشفافية يفتح الباب أمام الاجتهادات والتأويلات، التي تضر مناخ الإستثمار في مصر، وبين حق الصحافة في البحث عن الحقيقة، وضرورة الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، تبقى القاعدة الأهم: مناقشة القضايا الاقتصادية يجب أن تظل بعيدة عن الحياة الشخصية، وأن تركز على الحقائق والأرقام.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى