مقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (65).. موريس نحمان: تاجر “النوادر المصرية” في زمن الفوضى الأثرية

في مطلع القرن العشرين، وبينما كانت مصر تتخبط بين الاحتلال البريطاني ومشاريع النهضة، كانت هناك معركة أخرى تدور بهدوء… معركة على الآثار.

في أحد أحياء القاهرة القديمة، وتحديدًا في حي “باب اللوق”، لمع اسم تاجر آثار يهودي يُدعى موريس نحمان (Maurice Nahman )، الذي تحوّل متجره الأنيق إلى بوابة سرّية لخروج مئات القطع الأثرية المصرية من أرض الفراعنة إلى صالات العرض الأوروبية.

نشأة موريس ونشاطه:

ولد موريس نحمان في القاهرة عام 1868م، لأسرة ذات أصول يونانية يهودية. تلقى تعليمًا راقيًا، وأتقن الفرنسية والإنجليزية، وعمل في بداية حياته في بنك “كريدي فونسييه”، حتى أصبح رئيسًا للصرافين، لكنه ما لبث أن استقال عام 1924م ليتفرغ لهوايته الحقيقية: تجارة الآثار.

موريس نحمان

افتتح نحمان معرضه الشهير في “شارع المدابغ” (شارع شريف حاليًا) وسط القاهرة. كان أشبه بصالة فنون أوروبية، بأرضيات رخامية وأرفف زجاجية تعرض تماثيل وأواني وأقنعة فرعونية، تجذب النخبة من علماء الآثار الأوروبيين وجامعي التحف من أنحاء العالم.

تميز نحمان بعين خبيرة لا تخطئ القطع الأصلية. لم يقتصر نشاطه على الآثار الفرعونية، بل امتد ليشمل القطع القبطية والإسلامية النادرة، وساهم عبر مبيعاته في تأسيس أقسام كاملة بهذه التخصصات في متاحف كبرى لم تكن تملك تصوّرًا عن قيمتها سابقًا.

رغم مكانته في السوق، تبقى شخصية نحمان غامضة. لم يُعثر على دراسة مفصلة عنه، ولا توجد مراسلات موثقة في أرشيف متحف المتروبوليتان، على عكس معاصريه مثل “كليكيان”. إلا أن القطع التي مرت عبر معرضه موجودة حتى اليوم في متاحف نيويورك، وباريس، ولندن، وبوسطن.

مواهب نحمان:

كان نحمان أكثر من تاجر. كان خبيرًا ومُقيِّمًا محترفًا، يحظى باحترام خاص بين باحثي البردي وعلماء المتاحف. تعامَل معه بلجيكيون وفرنسيون وبريطانيون، ومن أشهرهم عالم المصريات البلجيكي “جان كابارت” Jean Capart)، 1877م-1947م) المؤسس لعلم المصريات في بلجيكا، الذي وصفه بأنه “أعظم تاجر آثار مصرية في العالم”.

لكن خلف هذه الواجهة الراقية، كانت تُدار واحدة من أوسع شبكات بيع الآثار المصرية. كان متجره محطة أساسية يزورها علماء آثار، سفراء، وأثرياء، بل ومسؤولون مصريون. وفي ظل غياب رقابة حقيقية، صار نحمان بمثابة المصدر “غير الرسمي” للقطع الأصلية.

ومع أن مصر أصدرت قانونًا لحماية الآثار عام 1912م، يجيز للبعثات الاحتفاظ بجزء من المكتشفات، فإن نحمان استغل هذا القانون بذكاء. كان يشتري من البعثات الأجنبية، ومن فلاحين عثروا على مقابر، وحتى من موظفين في دوائر الآثار، ليعرضها لاحقًا في صالته دون مساءلة.

مورد آثار لكبريات المتاحف :

في متحف المتروبوليتان للفنون، توجد اليوم قطع شهيرة مرت من خلاله، من أبرزها تمثال “ويليام فرس النهر” الشهير. وفي المتحف البريطاني، ومتحف اللوفر، ومتحف بوسطن، تُذكر اسمه في عشرات السجلات كمُزوّد رئيسي.

كان نحمان أيضًا نشطًا في دعم المتاحف المصرية. في ثلاثينيات القرن الماضي، تبرع بعشرات القطع لمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة، منها نقوش حجرية، نسيج قبطي، وجرار فخارية تعود للعهد المملوكي والفاطمي.

رغم سمعته الطيبة في دوائر المتاحف، بقيت الأسئلة الأخلاقية تطارد نحمان: هل كان مجرد جامع وتاجر؟ أم أحد أركان “النهب الثقافي المنظّم”؟ فالعديد من القطع التي باعها لا تُعرف طريقة خروجها من مصر، وبعضها يُعتقد أنه حُصل عليه من مقابر اكتُشفت بالصدفة وبيعت بمعرفة الفلاحين.

في عام 1937م، نظم نحمان مزادًا في دار كريستيز بلندن، لكنه لم يحقق النتائج المرجوة. ويُعتقد أنه أخفى اسمه عن المزاد بسبب انتشار القطع المزورة في السوق آنذاك. وفي الأربعينيات، ومع اقتراب الحرب العالمية الثانية، بدأ يفكر بإنهاء نشاطه، لكنه استمر حتى وفاته في القاهرة يوم 18 مارس 1948م.

ما بعد الوفاة:

بعد موته، بيعت ما تبقى من مجموعته في مزادات عام 1953م، وتوزعت مقتنياته بين متاحف العالم. أما قصره في القاهرة، فظل لفترة وجهة ثقافية، واستُخدم كمقر لجمعية فنية، ثم طواه النسيان.

اليوم، يُعاد فتح ملف موريس نحمان في سياق حملات استرداد الآثار. فالتاريخ قد لا يُدينه قانونًا، لكنه يضعه في موضع تساؤل: هل كان تاجرًا نابغًا؟ أم أحد سماسرة الحضارة؟ وما الفرق أصلًا بين المتحف الذي يعرض تمثالًا نُهب بصمت، وبين من باعه؟

 

بقلم دكتور/ قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)، عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى