الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (66)..صوت كارتر النادر… شهادة تُدين ما وراء اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون

ليس في الأمر مبالغة حين نصف التسجيل الإذاعي الذي بثّته BBC News عربي يوم الأربعاء 18 فبراير 2026م (عن لقاء عام 1936م) بأنه “قطعة أثرية صوتية”. فالصوت الآتي من ثلاثينيات القرن العشرين لا ينقل فقط دهشة رجلٍ دخل مقبرة ملكٍ شاب؛ بل ينقل—من دون قصدٍ ربما—لغة عصرٍ كامل: عصرٍ كانت فيه مصر تحت ظلال السيطرة الأجنبية، وكانت الآثار تُعامل باعتبارها “مسرح اكتشاف” يعتليه الأجانب، بينما يُترك أصحاب المكان الحقيقيون في الكواليس.

يقول كارتر في وصفه للحظة الوصول إلى التابوت الحجري: “مر 33 قرناً على آخر مرة وطئت فيها أقدام بشر تلك الأرض وعلى الرغم من ذلك كانت علامات وجود حياة جديدة تحيط بنا”. هذه العبارة وحدها تلخّص صناعة أسطورة “الاستثناء”: كأن التاريخ توقف عند آخر قدمٍ مصرية قديمة، ثم عاد ليتحرك من جديد تحت قدم المستكشف. وهنا يبدأ سؤال سلسلتنا: متى يتحول “الاكتشاف” إلى بوابةٍ واسعة لاقتصاد الرموز… ثم اقتصاد السوق… ثم اقتصاد التهريب؟
1. “أشياء رائعة” أم “أشياء قابلة للبيع”؟
تظهر رواية كارتر—كما نقلتها المادة الصحفية—بذخ الدهشة: “وعاء نصف مملوء بالملاط، مصباح أسود، فتات خشب تركها نجار غير مكترث…” تفاصيل صغيرة تمنح الحكاية صدقية وحميمية، لكنها تحمل أيضًا شيئًا آخر: عينًا تتملك المكان عبر الوصف. فحين تضع يدك على التفاصيل الدقيقة، يصير المكان “ملفًا” في جيبك، ثم “قصة” باسمك، ثم “علامة تجارية” يمكن إعادة تسويقها بعد ذلك بعقود.
والواقع أن علاقة علم الآثار بالسوق لم تكن طارئة في تلك الحقبة؛ بل كانت جزءًا من “منظومة عمل” كاملة تمزج بين التمويل، والبعثات، والبحث عن الشهرة، وتنافس الصحافة، وطلب المقتنين. دراسة حديثة عن “أعمال رأس المال” في علم الآثار المصري خلال الحقبة الاستعمارية تشرح كيف تشابك التنقيب مع تجارة الآثار ودوائر المال والنفوذ. (Bulletin of the History of Archaeology)

هذه الخلفية مهمة لفهم كيف خرجت الآثار—قانونيًا أحيانًا وملتبسًا كثيرًا—من مصر في بدايات القرن العشرين، وكيف صارت أسطورة “المقبرة السليمة” مدخلًا لولعٍ عالمي يفتح شهية السوق: السوق الشرعي للمعارض والمتاحف… والسوق الرمادي الذي لا يعترف إلا بالربح.
2. من الذي “وطئت قدماه” أولًا؟ سؤال محذوف عمدًا
المادة نفسها تلمّح إلى حقيقة شديدة الدلالة: “أُغفل ذكر العديد من المصريين الذين أسهموا بخبراتهم ومعرفتهم في إنجاز هذا الاكتشاف”. ثم تذكر أسماء أربعة من رؤساء العمال المصريين الذين لعبوا دورًا محوريًا في أعمال الحفر والتنظيف والتنظيم داخل المقبرة: أحمد جريجر، جاد حسن، حسين أبو عوض، حسين أحمد سعيد. هذه الأسماء ليست هامشًا؛ إنها مفاتيح لفهم كيف تُصنع “بطولة الاكتشاف” بتقنيات سردية تُخفي المساهمات المحلية. مقال Smithsonian Magazine قدّم قراءة واضحة لهذا الإغفال وكيف جرى تهميش العمال المصريين في الذاكرة العامة مقابل صناعة نجمٍ واحد هو كارتر. (Smithsonian Magazine)

وفي منطق “تهريب الآثار المصرية”، يصبح هذا الإغفال خطيرًا لأنه يخلق تاريخًا بلا أصحاب: إذا غاب أصحاب الأرض من الحكاية، سهل لاحقًا أن تغيب حقوقهم من السوق، وأن يُنظر إلى الأثر كشيء “حرّ الحركة” لا يعود إلى أحد.
3. “ختمٌ نفيس” و”أبواب مختومة”: حيث تبدأ منطقة الرماد
يصف كارتر فتح المقصورة المختومة، ونزع الختم، ثم اكتشاف مقصورة ثانية “تفوق السابقة براعةً وإشراقًا”. هذه اللغة تُسكر القارئ وتُطمئن الضمير: نحن أمام “فتح علمي” لا أمام اقتحام. لكننا—في السلسلة—نضع بجوار هذه اللغة سؤالًا مباشرًا: أي سلطة كانت تمنح حق نزع الأختام؟ ومن كان يملك قرار ما يُنقل وما يبقى؟
هنا تظهر أهمية العودة إلى السجلات الأصلية التي حفظها Griffith Institute ضمن مشروع “Tutankhamun: Anatomy of an Excavation”، إذ يوفّر دفاتر ويوميات ومذكرات مرتبطة بأعمال الحفر والتوثيق. (Griffith University) هذه الوثائق لا تُستخدم اليوم فقط للبحث العلمي، بل يمكن أن تتحول إلى “أداة حماية”: فكل صورة قديمة، وكل وصف، وكل قائمة محتويات، قد تصبح لاحقًا دليلًا لاستعادة قطعة ظهرت فجأة في مزادٍ أو مجموعة خاصة.

4. التوتر مع مصلحة الآثار: السياسة في قلب القبر
تشير المادة إلى أن كارتر كان “حاد الطبع”، وأن علاقته شابها التوتر مع مصلحة الآثار المصرية، وأن مصر كانت تمر باضطراب سياسي في ظل الاحتلال البريطاني والاستقلال الجزئي عام 1922م. هذا السياق ليس مجرد خلفية؛ بل يشرح لماذا صار توت عنخ آمون رمزًا سياسيًا: لأن المقبرة لم تكن مجرد “كنز”، بل كانت قضية سيادة: من يملك الحق في إدارة التراث؟ ومن يملك قرار عرضه ونقله ونشره؟
وهنا نفهم كيف يمكن لقصةٍ واحدة أن تُنتج مسارين متعاكسين:
• مسارٌ “متحفي” شرعي: نقل القطع إلى القاهرة وحفظها وعرضها.
• ومسارٌ “سوقي” رمادي: فتح شهية العالم للقطع المصرية، وتغذية شبكات الاتجار، وتحويل أي قطعة صغيرة إلى “تذكرة” يمكن تهريبها.
5. بي بي سي وبوق توت: حين يتحول التراث إلى استعراض عالمي
من أكثر المقاطع دلالة في المادة: برنامج إذاعي عام 1939م سمحت فيه السلطات ببث صوت بوقٍ من مقتنيات توت عنخ آمون، ليُسمع “بعد صمت 3300 عام” أمام جمهور عالمي قُدّر بنحو 150 مليون مستمع، وعزف عليه العازف “جيمس تابيرن”، وقدّم البرنامج “ريكس كيتنغ”. هذه الواقعة موثّقة ضمن مصادر متعددة عن “أبواق توت عنخ آمون”. (Wikipedia)
هذه الحكاية ليست لطيفة كما تبدو؛ لأنها تكشف عقلية زمنٍ كان يرى الأثر مادة للاستعراض والتجربة المباشرة حتى لو كان هشًا. واليوم، حين نقول إن التهريب يتغذى على “الطلب”، فإن هذا الطلب لم يولد مع الإنترنت؛ بل وُلد مع موجات الاستعراض الإعلامي المبكر الذي حوّل الآثار إلى “محتوى” جماهيري قابل للتكرار والتربح.
6. “توت مانيا” والكتلة البشرية: صناعة السوق من بوابة المعرض
بعد خمسين عامًا على الاكتشاف، جاء الانفجار الأكبر للعرض التجاري-الثقافي في معارض توت عنخ آمون. يذكر المتحف البريطاني أن معرض “The Treasures of Tutankhamun” عام 1972 كان الأكثر شعبية في تاريخ المتحف، وزاره أكثر من 1.6 مليون شخص. (British Museum) هذا النوع من “المعارض البلوكباستر” يصنع أمرين في وقت واحد:
1. يرفع الوعي العام (وهذا جيد).
2. لكنه يرفع كذلك حرارة السوق: فحين يتضاعف الشغف الشعبي، تزداد شهية الاقتناء، وتزداد شهية المزادات، وتزداد رغبة الوسطاء في توفير “قطع مشابهة”… وهنا تدخل شبكات التهريب لتسد الطلب.

7. المفارقة الجميلة: “الكنوز كاملة تحت سقف واحد”… في مصر أخيرًا
المادة تنتهي عند فكرة شديدة الأهمية: عرض مقتنيات توت عنخ آمون كاملة في المتحف المصري الكبير. وقد تناولت وكالات وصحف عدة افتتاح المتحف وعرض مجموعة توت معًا لأول مرة على نطاق واسع. (AP News) هذه المفارقة تلخص معركتنا الحالية ضد التهريب: أفضل ردّ على “اقتصاد الخروج” هو اقتصاد البقاء—أن تُعرض المجموعات في سياقها الوطني، وأن تُدار بعلمٍ وحفظٍ وتفسير حديث، وأن تصبح زيارة التراث تجربة كاملة داخل مصر، لا مجرد رحلةٍ لقطعةٍ منفصلة في الخارج.
8. ماذا نتعلم نحن من “شهادة كارتر”؟
تعقيب سلسلة “تهريب الآثار المصرية” على كلام كارتر لا ينكر أهمية الاكتشاف ولا قيمة التوثيق، لكنه يلتقط ما بين السطور:
• السردية الفردية (كارتر وحده) تُخفي شبكة كاملة من العمال والخبراء والسلطات والصراعات. (Smithsonian Magazine)

• اللغة الرومانسية عن “الحجرة المختومة” قد تُستخدم لاحقًا لتجميل علاقات قوة غير متكافئة.
• تحويل الأثر إلى حدث إعلامي (من الصحافة إلى الإذاعة) صنع قاعدة “طلب عالمي” مهّد لاقتصاد الاتجار. (Wikipedia)
• الوثيقة هي السلاح: أرشيفات اليوميات والصور ليست للتاريخ فقط، بل للاسترداد وكشف المسارات الملتبسة. (Griffith University)
9. خاتمة: الزهور الذابلة… والحق الحي
يختم كارتر حكايته بإكليل زهور ذابل اعتبره “آخر تحية” من الملكة الأرملة، ثم يقول إن هذه الزهور جعلته يشعر بأن 3300 عام “قصيرة حقًا”.
ونحن نقول: نعم، الزمن قصير… إذا كان الحق حيًا. والحق في زمن التهريب لا يعيش بالعاطفة وحدها، بل يعيش بالسيادة القانونية، وبالمخازن المؤمنة، وبالتوثيق المفتوح، وبملاحقة السوق الرمادية، وبإعادة كتابة الحكاية بحيث يدخل المصري—عاملًا وباحثًا ودولة—إلى صدر القصة لا هامشها.
بقلم: دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)،عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين




