مقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (58)… سرقة الآثار من مخزن دار العلم

في هذا المقال من سلسة المقالات التي تتحدث عن تهريب الآثار المصرية، ننقل ما كتبة المستشار أشرف العشماوي في كتابه الشيق (سرقات مشروعة: حكايات عن سرقة آثار مصر ومحاولات استردادها) والذي نشرته له (الدار المصرية اللبنانية) في العام (2012م) وأعيد النشر (عام 2021م). وهذا الكتاب يجمع بين القانون والتاريخ وأحداث حقيقية ويعرض وثائق وتفاصيل لمحاولات استرداد آثار مهربة. وقد عمل المؤلف مستشارًا قانونيًا للمجلس الأعلى للآثار (التابع لوزارة السياحة والآثار المصرية) لمدة 7 سنوات تقريبًا، وشارك خلالها في عدد كبير من قضايا استرداد الآثار، وكانت هذه التجربة منبعًا مهمًا لكتابه “سرقات مشروعة، “هذا الكتاب ملئ بالقضايا الغريبة، ونختار منها هذه القضية الأكثر غرابة لسرقة وتهريب قطع أثرية مصرية من دار العلم، والتمكن من استعادتها.

يقول المستشار: أنه في صباح يوم 29 فبراير 2002م، اكتشف القائمون على مخزن القطع الأثرية الخاص بحفائر كلية الآداب – جامعة القاهرة، أن باب المخزن قد تم كسره وسُرقت مئات القطع من داخله – 370 قطعة أثرية – وبدأت الإجراءات المعتادة في مثل هذه الحالات من إبلاغ الشرطة والنيابة العامة وهيئة الآثار. استمرت التحقيقات في القضية ثلاث سنوات دون جدوى، فلم تُضبط الآثار المسروقة، ولم نعرف الفاعل الذي بات بالنسبة لنا مجهولًا، حتى كان العام الرابع، الذي أتى إلينا بأخبار جديدة.

والحل من الخارج:

ففي اليوم السابع من فبراير عام 2006م، تلقيت، بصفتي مستشار الاسترداد بالمجلس الأعلى للآثار، خطابًا من سفارتنا بـ”برن” مرفقًا به طلب من أحد المحامين بسويسرا يستفسر فيه من هيئة الآثار عن قائمة بالقطع الأثرية التي سُرقت من مخزن كلية الآداب عام 2002م، لمطابقتها بآثار مصرية لدى أحد موكليه، مُقررًا أنه لديه رغبة في إعادتها إلى مصر إذا كانت هي نفسها التي سُرقت..!

كان الموضوع أشبه بمن تلقى خبرًا سعيدًا بصورة مفاجئة، فارتبكنا للحظات. عندما خاطبنا مكتب المحامي السويسري طلبنا منه أمرين: الأول صور للقطع التي بحوزته، والثاني معرفة مصدر الحصول عليها. وقد أجابنا لما طلبناه، واكتشفنا أن هناك تطابقًا بين ما بحوزته من آثار وبين ما هو مسروق من مخزن كلية الآداب. أما الأهم، فقد دلّنا على صالتي المزاد اللتين اشترى منهما القطع الأثرية.

ما حدث بعد ذلك كان أشبه بإصابة أكثر من هدف برمية واحدة، فصالة مزاد “بونهامز” بلندن وصالة “كريستي” بالولايات المتحدة الأمريكية، كانتا تعرضان مجموعات من القطع الأثرية وحددت كل صالة موعدًا للبيع. تحركنا بسرعة بعد أن تبين لنا مطابقتها للقطع المسروقة من مخزن الكلية، وخلال الفترة ما بين الإعلان عن البيع والموعد المحدد لإجرائه، كنا قد أعددنا ملفًا بأوصاف القطع الأثرية وأرقام تسجيلها وكيفية السرقة والتحقيقات التي جرت فيها وموقفها القانوني على ضوء قوانين حماية الآثار، وتم إرسال تلك الملفات إلى سفاراتنا بلندن وواشنطن. كما قدمنا طلب مساعدة قضائية دولية من خلال وزارة العدل إلى السلطات القضائية في البلدين؛ وكنا مستعدين لدخول جولات عنيفة من التفاوض، إلا أن الملفات التي أعددناها كانت بمثابة الضربة القاضية، فوافقت السلطات الإنجليزية على تسليم مصر القطع الأثرية بعد أن تأكدت من صحة المستندات المقدمة، كما قامت صالة كريستي بإعادة ما لديها بعد أن أوقفت إجراءات البيع، مُقررة أنها لا ترغب في الدخول في إجراءات تقاضٍ طالما أن ما تعرضه ثبت أنه مسروق من مصر.

المساومة وطلب تعويضات:

أعطانا استرداد القطع من لندن والولايات المتحدة الأمريكية دفعة كبيرة باتجاه التفاوض مع المواطن السويسري الذي ظل مجهولًا بالنسبة لنا حتى الآن، فقد كان من شروط التفاوض أن يتم من خلال محاميه، ووافقنا. كان في البداية يطلب تعويضًا، فرفضنا بإصرار، فطلب تعويضًا أقل، فزاد إصرارنا على الرفض، فلم نكن ندفع تعويضات عن استرداد مسروقات. وقدمنا أدلة ومستندات على عدم صحة حيازته للقطع الأثرية بعد ثبوت علمه بأنها مسروقة، وضغطنا بملفات الاسترداد السابقة، وأن جميعها تتعلق بمجموعة أثرية سُرقت من مكان واحد. فعاد وطلب مصروفات الترميم التي تكبدها للحفاظ على القطع، فأرسلنا له مفتش آثار مخضرم، فحص ما لديه من آثار وأثبت بالدليل الفني أنها في حالة سيئة ولم تُرمم، وما زالت تحتاج إلى ترميم..!

اخترنا لك : الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (٥٧)… تُهرّيَب الآثار الضخمة من المنافذ الجمركية

لم ييأس حائز الآثار، فأعطانا مهلة تنتهي خلال ثلاثة أشهر، مُقررًا أنه في نهايتها سوف يُسلم الآثار لحكومة بلاده لتُصبح ملكية عامة. ورغم أن هذا الأمر قد يبدو للوهلة الأولى أنه قد يُحدث ارتباكًا في خطتنا، وقد يجعل من الاسترداد أمرًا صعبًا، إلا أننا في الإدارة القانونية كنا نعلم بحقيقة الحيلة، من كثرة ما ترددنا على سويسرا في موضوعات التعاون الدولي بين مصر وسويسرا. فقد كانت المهلة التي أعطاها لنا هي ذاتها المحددة في بلاده لصدور قوانين تُجرّم حيازة الآثار المسروقة من موطنها الأصلي. كنا نعلم بهذا الأمر ونترقبه، لأننا بصدد عقد اتفاقية تعاون مشترك في مجال استرداد الملكية الثقافية والآثار التي خرجت بطرق غير شرعية من موطنها الأصلي، ونتكتم الأمر حتى تنتهي المهلة.. فتعمدنا ترك الوقت يمر، بل ويطول، حتى تحوّل الأمر إلى النقيض..! وصار هو الذي يطلب منا بإلحاح في الأسبوع الأخير أن نستردها، حتى بلغ الأمر بأن تدخلت سفارة بلاده في مصر لإنهاء الموضوع بيننا وبينه، وطلب المحامي عدم إقحام موكله أو مكتبه في أية إجراءات قضائية في مصر أو في أية طلبات تعاون قضائي بين مصر وسويسرا، فوافقنا، فلم يكن أيٌّ منهما طرفًا بالفعل…

وأخيرا تم استعادة المسروقات:

أرسلت مصر وفدًا للتفاوض والاستلام، وجرت عملية التفاوض والتسليم بمكتب المحامي السويسري بمدينة زيورخ في نحو ثلاثين دقيقة فقط..! وكان هناك بعض العاملين من مكتب المحامي السويسري، لا يمكنني نسيان ملامح أحدهم، وما زال لديّ اعتقاد أنه المواطن السويسري المجهول، فمن خلال ملابسه وطريقة كلام الآخرين معه، ونظرات عينيه، وحرصه على المعاونة في التغليف والتعبئة، شعرت أنه يتعامل مع مقتنياته، وأنه كان يُلقي عليها نظرة الوداع قبل عودتها لموطنها الأصلي بعد أن ظلت في غربتها سبع سنوات. انتهت المفاوضات بإعادة الآثار إلينا بطائرة بضائع، وكانت أول مرة أركبها في حياتي، وأخذت لي صورة وأنا كنت أطمئن على الآثار وهي تدخل بطن الطائرة.

في قضايا الاسترداد بقدر ما قد تحتاج أحيانًا إلى سرعة في اتخاذ القرار وإرسال الرد، ففي أحيان أخرى يكون الانتظار وتعليق الرد أبلغ قرار قد يُتخذ على الإطلاق.

بقلم: د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة بكلية الزراعة – جامعة المنيا
عضو اتحاد الأثريين المصريين ، عضو اتحاد كتاب مصر، عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى