مقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (٥٧)… تُهرّيَب الآثار الضخمة من المنافذ الجمركية

في خضم المعارك التي تخوضها الدولة المصرية لاستعادة آثارها المهربة، تظل هناك علامات استفهام كبيرة: كيف تخرج تماثيل ضخمة وتوابيت حجرية وأعمدة ثقيلة من البلاد؟ كيف تُنقل هذه القطع ذات الوزن الهائل من باطن الأرض حتى تصل إلى صالات مزادات في لندن أو نيويورك؟ ومَن يقف وراء هذه الشبكات؟ هذا المقال من سلسلة المقالات عن تهريب الآثار المصرية نكشف الطرق المتبعة في تهريب القطع الأثرية الضخمة، من لحظة استخراجها حتى عرضها للبيع في الخارج.

أولًا: التخطيط والتنقيب غير المشروع:

البداية دائمًا تكون بالمعلومة، وتُحدَّد القطعة الأثرية المستهدفة مسبقًا، سواء كانت تابوتًا، تمثالًا، أو حجرًا منقوشًا، استنادًا إلى معطيات يقدمها “خبراء آثار” أو مخبرون محليون لديهم معرفة دقيقة بالمواقع غير المسجلة رسميًا في سجلات وزارة الآثار. غالبًا ما تقع هذه المواقع في الصعيد أو الدلتا أو حتى داخل كردون المدن، وتُنفذ فيها أعمال الحفر ليلًا أو داخل أراضٍ خاصةأو في أرضية المنازل، باستخدام أدوات بدائية أو حفارات صغيرة.

ثانيًا: تفكيك وتغليف القطعة:

ما إن يُعثر على القطعة الكبيرة حتى تبدأ عملية تفكيكها إلى أجزاء صغيرة، قد تصل إلى 3–10 قطع، لتسهيل نقلها دون إثارة الشبهات. يُستخدم في هذه المرحلة عمال نجارة وصخر صناعي لتغليف الأجزاء وتغيير مظهرها، بحيث تبدو كأنها أحجار بناء أو سلع صناعية غير ذات قيمة.

ثالثًا: التهريب الداخلي والتمويه الجمركي:

تُنقل الأجزاء عبر شاحنات تحمل عادة موادًا مثل الفحم، الأثاث القديم، الأسمدة، أو حتى التمور. وقد يتم تجهيز أوراق شحن مزورة، وفي بعض الحالات، تكون هناك حماية أمنية مزيفة أو تواطؤ من موظفين فاسدين. ثم تُخزن القطع في مستودعات قريبة من الموانئ أو المناطق الحرة (مثل بورسعيد) بانتظار شحنها إلى الخارج.

رابعًا: الخروج عبر الموانئ أو المطارات:

الشحن عبر الموانئ البحرية: هنا تبدأ مرحلة التمويه الكبرى. تُعبأ القطع داخل حاويات ضخمة ضمن شحنات تُصنَّف رسميًا على أنها “رخام”، “قطع ديكور”، أو “أثاث حجري”، باستخدام مستندات جمركية مزورة. وقد تُرسل أحيانًا إلى دول مجاورة مثل ليبيا، السودان، أو الأردن، لتُعاد شحنها لاحقًا إلى أوروبا أو الخليج، لتضليل الأجهزة الرقابية.

عبر المطارات: في حالات نادرة، تستخدم بعض الشبكات المطارات لتهريب القطع متوسطة الحجم، مثل التماثيل البرونزية أو التوابيت الخشبية. ويُصنف الأثر عادة كمجرد “تحفة فنية” أو “نسخة حديثة”، بدعم من وثائق مزيفة أو نفوذ مسؤولين متواطئين.

خامسًا: الغسيل الأثري والتوزيع الخارجي:

تصل الآثار المهربة أولًا إلى دول معروفة بتسهيل ما يُعرف بـ”غسيل الآثار”، مثل سويسرا، الإمارات، تركيا، إسرائيل، أو إيطاليا. هناك تُنظف القطع وتُعاد تسميتها على أنها “موروثة من مجموعة خاصة” أو “مشتراة من مزاد قانوني”. ثم تُباع في معارض فنية أو عبر مزادات دولية مشهورة مثل كريستيز أو سوذبيز، أو تُضاف إلى مجموعات خاصة لدى أثرياء أو متاحف مستقلة.

من يقف خلف هذه الشبكات؟

لا يمكن لعملية بهذا التعقيد أن تتم بشكل عشوائي، بل تقف وراءها شبكة هرمية منظمة، يتوزع أعضاؤها بين الداخل والخارج. في القاعدة، ينشط سماسرة آثار محليون يتولون مهمة التنقيب السري والحفر ونقل القطع داخل مصر، مستفيدين من معرفتهم الجغرافية وخبراتهم الميدانية. يليهم في التنظيم تجار دوليون يوفرون التمويل اللازم ويتولون عمليات التهريب خارج الحدود. ويأتي دور الموظفين الفاسدين الذين يُسهّلون الإجراءات الإدارية، ويزوّرون المستندات الرسمية لتمرير القطع عبر المنافذ الجمركية دون إثارة الشكوك. أما في القمة، فتقف جهات أجنبية، تشمل أفرادًا ومؤسسات، تتولى شراء القطع وغسلها، عبر نسبها إلى مجموعات خاصة أو عرضها في مزادات علنية بأساليب قانونية ظاهرًا، رغم أنها نُهبت من مواقع أثرية مصرية.

نماذج واقعية على تهريب آثار ضخمة

تمثال الإلهة سخمت: أُخرج من معبد الأقصر بعد تفكيكه، ووصل إلى أوروبا حيث أعيد تركيبه وعرض في مزاد.
تابوت “شا آمون إن سو: هُرّب إلى أمريكا عبر الإمارات، قبل أن يُسترد عام 2019م.
تابوت “نجم عنخ: بيع في فرنسا، ثم أُعيد لمصر بعد حملة ضغط دبلوماسي.
رأس تمثال توت عنخ آمون الذهبي: بيع في لندن عام 2019م رغم احتجاجات الحكومة المصرية.

خلاصة وتحذير:

للحد من تهريب الآثار الضخمة من مصر، يجب العمل على تحصين المنافذ الجمركية والموانئ من الداخل، من خلال تطوير منظومة الرقابة والتفتيش باستخدام تقنيات حديثة، وتدريب العاملين على اكتشاف وسائل التمويه المتطورة التي تلجأ إليها شبكات التهريب. كما ينبغي تفعيل دور أجهزة الأمن والآثار في مراقبة أعمال الحفر والتنقيب غير المشروع، لا سيما في المناطق النائية والصعيد، مع تشديد العقوبات على من يشارك في تلك الأنشطة. ويُعد التعاون بين وزارات الآثار والداخلية والمالية (ممثلة في الجمارك) أمرًا حيويًا لإغلاق الثغرات القانونية والإجرائية، إضافة إلى أهمية تبادل المعلومات مع الجهات الدولية المعنية بمكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية. فبدون تنسيق شامل، وتحديث للبنية الرقابية والتشريعية، سيبقى التراث المصري مهددًا، وسيظل لصوص التاريخ يهربون كنوزه تحت ستار التجارة القانونية، ليُعرض لاحقًا في صالات مزادات عالمية وسط صمت دولي مريب.

بقلم: د. قاسم زكي

أستاذ الوراثة بكلية الزراعة – جامعة المنيا
عضو اتحاد الأثريين المصريين ، عضو اتحاد كتاب مصر، عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى