الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (69)… قصر أندراوس في الأقصر… حين تفتح البيوت القديمة أسئلة التراث

في مدينة مثل الأقصر، لا تبدو القصور القديمة مجرد مبانٍ صامتة من زمنٍ مضى، بل تتحول أحيانًا إلى شواهد على طبقات متراكبة من السلطة والوجاهة والذاكرة. هناك، حيث يجاور البيتُ المعبدَ، ويجاور التاريخُ الحياةَ اليومية، يصبح لأي قصر قديم معنى يتجاوز الحجر والجدران. ومن بين هذه البيوت التي أحاطت بها الروايات والأسئلة، يبرز قصر أندراوس بوصفه مدخلًا إلى قضية أوسع وأعمق: قضية المقتنيات الأثرية الخاصة، وعلاقة بعض البيوت الكبيرة في مصر، خلال مراحل تاريخية مختلفة، بعالم التراث والاقتناء والنفوذ.
هذا المقال من سلسلة المقالات التي تتحدث عن تهريب الآثار المصرية، لا يهدف إلى توجيه اتهام إلى عائلة بعينها، ولا إلى إصدار أحكام قانونية على أحد، بقدر ما يسعى إلى قراءة تاريخية هادئة لظاهرة عرفتها مصر في فترات سابقة، حين لم تكن الحدود بين الحيازة الخاصة، والوجاهة الاجتماعية، والاقتراب من عالم الآثار، بالوضوح القانوني والأخلاقي الذي نطالب به اليوم. ولهذا فالقضية هنا ليست اسمًا بقدر ما هي سؤال: كيف اقتربت بعض البيوت الثرية من عالم المقتنيات الأثرية؟ وكيف دخلت بعض القطع إلى المجال الخاص؟ وما الذي تقوله هذه القصص عن علاقتنا بتراثنا الوطني؟
الأقصر… مدينة لا تفصل بين البيت والتاريخ
في الأقصر، لا يحتاج الماضي إلى من يوقظه؛ فهو حاضر في الشارع، وفي الحجر، وفي الأفق المفتوح على المعابد والمقابر والنقوش. ولهذا كانت المدينة، عبر عقود طويلة، ساحة شديدة الحساسية فيما يتصل بالتراث. فالذي يعيش في الأقصر لا يعيش إلى جوار آثار فحسب، بل يعيش إلى جوار ذاكرة حضارية هائلة، كان ينبغي أن تكون دومًا فوق المصالح الخاصة، وأكبر من كل نفوذ اجتماعي أو مالي.
لكن التاريخ لا يسير دائمًا كما ينبغي. ففي فترات سابقة، عرف المجتمع المصري ظاهرة البيوت الكبيرة التي جمعت بين الأرض والمال والسياسة والعلاقات الواسعة. وفي بعض هذه البيوت، وُجدت مقتنيات نادرة، وتحركت روايات عن صلات بعالم الآثار، أو بقرب خاص من مواقع تاريخية وبعثات أجنبية وشخصيات نافذة. وهنا بدأت المنطقة الرمادية التي ما زالت تلقي بظلالها حتى اليوم.
المقتنيات الخاصة… من الوجاهة إلى الالتباس
لم تكن حيازة بعض القطع القديمة في البيوت الثرية أمرًا مجهولًا في مصر خلال فترات سابقة. فقد كان الاقتناء عند بعض الأسر جزءًا من الوجاهة، أو الذائقة، أو الرغبة في الاحتفاظ بما يُعد نادرًا أو مميزًا. لكن المشكلة لم تكن في الاقتناء وحده، بل في غياب الوضوح: من أين جاءت القطعة؟ كيف دخلت إلى الحيازة الخاصة؟ هل كانت موثقة؟ وهل خرج بعضها لاحقًا إلى خارج البلاد أو إلى مسارات غير واضحة؟
هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية. فبين الحفظ والاقتناء، وبين الاستحواذ والضياع، مساحة واسعة من الالتباس. والقطعة الأثرية ليست تحفة منزلية عادية، بل جزء من الذاكرة الوطنية، أي أن وجودها في المجال الخاص يفرض تلقائيًا سؤالًا عن الشرعية والمصدر والسياق.
حين تتحول القصور إلى موضوع للروايات
القصور القديمة تصنع حولها هالة خاصة. فإذا كان القصر واسعًا، مغلقًا، تحيط به الهيبة، وترتبط به عائلة ذات حضور اجتماعي أو سياسي، فإن الخيال الشعبي يبدأ في العمل. تظهر الحكايات عن غرف مغلقة، ومقتنيات نادرة، وصناديق قديمة، وزيارات غامضة، وأشياء لا يراها الناس ولكنهم يتحدثون عنها.
ومن هنا فإن التعامل مع هذه الروايات يحتاج إلى قدر كبير من الانضباط. فلا يجوز أن تُقدَّم الذاكرة الشعبية بوصفها حكمًا نهائيًا، ولا أن يُبنى عليها اتهام صريح. لكن في المقابل، لا يجوز أيضًا تجاهلها تمامًا، لأنها في كثير من الأحيان تعكس إحساسًا عامًا بوجود شيء يحتاج إلى تفسير. والكتابة المسؤولة لا تُسلم بهذه الروايات، ولا تسخر منها، بل تضعها في موضعها الصحيح: مادة تستحق الفحص، لا الجزم.
البيوت الكبيرة والبعثات الأجنبية
من الحقائق المعروفة تاريخيًا أن عالم الآثار في مصر لم يكن معزولًا يومًا عن شبكات النفوذ الاجتماعي والسياسي، خاصة في المراحل التي كان فيها الوجود الأجنبي قويًا، وكانت القوانين أقل إحكامًا، وكانت الإدارة المحلية في طور التشكل أو التطور. وفي مثل هذا المناخ، نشأت علاقات متنوعة بين بعض البيوت الثرية، من جهة، وبين البعثات الأجنبية أو الزائرين أو الوسطاء أو جامعي التحف، من جهة أخرى.
هذه العلاقات لا يمكن وصفها كلها بلغة واحدة. فبعضها كان في إطار الضيافة والوجاهة، وبعضها ربما اقترب من مساحات أكثر التباسًا، لكن المؤكد أن هذه البيئة التاريخية سمحت بمرور أشياء كثيرة من دون توثيق كافٍ، وسمحت أيضًا بأن تنتقل بعض القطع من محيطها الأصلي إلى حيازات خاصة، أو إلى وجهات لم تعد معروفة بدقة.
ومن هنا، فإن استدعاء اسم قصر أندراوس ليس بهدف الإدانة، بل بهدف الإشارة إلى نموذج من النماذج التي تطرح سؤالًا أكبر: كيف استفادت بعض البيوت الكبرى من بيئة تاريخية لم تكن قد حسمت بعدُ الموقف الصارم من المقتنيات الأثرية الخاصة؟
التراث حين يقترب من النفوذ
المشكلة الكبرى تبدأ حين يقترب التراث من مناطق النفوذ. فالمواطن العادي لا يملك عادة القدرة على الاقتراب من عالم الآثار، ولا من شبكات الوسطاء، ولا من مسارات الحركة الخفية للمقتنيات. لكن أصحاب النفوذ الاجتماعي أو المالي، في أزمنة معينة، كانت لديهم مساحة أكبر للحركة، والعلاقات، والتأثير، وربما الاطلاع على ما لا يطّلع عليه غيرهم.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل كانت كل هذه العلاقات بريئة تمامًا؟ أم أن بعض البيئات الاجتماعية القديمة ساهمت، بوعي أو من دونه، في خلق مناخ جعل الآثار أقرب إلى دائرة الامتياز الخاص منها إلى الحماية العامة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى في صلب النقاش.
قصر أندراوس… الاسم الذي يفتح الملف
حين يُذكر قصر أندراوس في هذا السياق، فليس المقصود أن يُحمَّل القصر أو أصحابه ما لا يثبت بوثيقة أو حكم أو مستند قاطع، وإنما المقصود أن اسمه صار جزءًا من ملف أوسع يتصل بالمكانة الاجتماعية القديمة، وبالقصور التي عاشت على تماس مع التاريخ، وبالأسئلة التي تطفو كلما فتحنا ملف المقتنيات الخاصة في مصر.
والحقيقة أن هذه المقاربة أكثر عدلًا وأكثر مهنية؛ لأنها تنقل القضية من دائرة التشهير إلى دائرة الفحص. فالكتابة الجادة لا تصرخ، بل تسأل. ولا تحاكم الناس بالانطباعات، بل تضيء الزوايا المعتمة، وتعيد ترتيب الملف ليظهر أمام القارئ في صورته المركبة، لا في صورة الاتهام السهل.
من قصة قصر إلى مشكلة دولة
الخطأ أن نظن أن القضية تبدأ عند قصرٍ بعينه وتنتهي عنده. فالأزمة أكبر من أي اسم. إنها أزمة تاريخ طويل من التساهل مع ملف الآثار، سواء في التنقيب، أو في القسمة، أو في التوثيق، أو في الرقابة على ما خرج من البلاد وما دخل في الحيازات الخاصة.
وقد دفعت مصر ثمن هذا التساهل باهظًا. آلاف القطع تفرقت، وروايات كثيرة ظلت بلا حسم، وملفات عديدة عاشت في المساحة الفاصلة بين المعروف والمسكوت عنه. ولهذا فإن استعادة مثل هذه القصص لا ينبغي أن تكون مجرد مطاردة لأشخاص أو عائلات، بل يجب أن تكون فرصة لإعادة النظر في البنية التاريخية التي سمحت أصلًا بحدوث هذا الالتباس.
الوجاهة لا تكفي لإغلاق الأسئلة
في المجتمعات التقليدية، كانت الأسماء الكبيرة تمنح أصحابها نوعًا من الحصانة المعنوية. لكن التراث المصري أكبر من كل الأسماء. وكل بيت، مهما علا شأنه، يمكن أن يصبح موضوعًا لسؤال تاريخي مشروع إذا ارتبط اسمه بملف يحتاج إلى إضاءة أو توثيق أو مراجعة.
ومع ذلك، فالإنصاف واجب. لا يجوز الاحتماء بالوجاهة لإسكات الأسئلة، كما لا يجوز استخدام الأسئلة لتلفيق الاتهامات. بين الطرفين توجد المساحة التي ينبغي أن يعمل فيها الكاتب المسؤول: مساحة النقد، والتحليل، وفتح الملف، من دون قفز إلى أحكام لا تسندها الأدلة القاطعة.
لماذا نكتب عن هذا الآن؟
لأن مصر في حاجة إلى مراجعة هادئة، لا إلى ضجيج. في حاجة إلى أن تُفتح ملفات المقتنيات الخاصة بوثائق ومراجعات قانونية وتاريخية، لا بالشائعات ولا بالتشهير. وفي حاجة كذلك إلى أن تتعلم من تاريخها، حتى لا يعود التراث مرة أخرى إلى تلك المنطقة الضبابية التي تختلط فيها الوجاهة بالنفوذ، والحفظ بالاستحواذ، والمقتنى الخاص بالحق العام.
إن الكتابة عن قصر أندراوس، أو عن غيره من القصور التي أحاطتها الروايات والأسئلة، ينبغي أن تكون جزءًا من مشروع أكبر: مشروع استرداد المعنى الأخلاقي للتراث. فالآثار ليست زينة، وليست ترفًا طبقيًا، وليست امتيازًا اجتماعيًا، بل ذاكرة وطن، وشاهد حضارة، وحق أجيال.
خاتمة
تبقى قصة قصر أندراوس في الأقصر واحدة من القصص التي تذكّرنا بأن التراث لا يضيع فقط بالسرقة المباشرة، بل قد يضيع أيضًا بالغموض، وبالسكوت، وبالمناخ الذي يسمح بتحول الذاكرة الوطنية إلى مقتنيات ملتبسة، أو إلى حكايات لا نملك منها إلا نصف الحقيقة.
ولذلك فإن القضية ليست خصومة مع عائلة، ولا صدامًا مع اسم اجتماعي، بل دعوة إلى أن ننظر بجدية إلى تاريخ المقتنيات الخاصة في مصر، وأن نعيد طرح السؤال المؤجل: كيف نحمي تراثنا من أن يصبح رهينة النفوذ، أو ضحية الصمت، أو مادة لروايات متضاربة لا تنتهي؟
إن حماية آثار مصر لا تبدأ من الصخب، بل من التوثيق، والشفافية، والبحث الرصين، والمراجعة المؤسسية الهادئة. وهناك فقط، يصبح التاريخ أقل عرضة للغموض، وتصبح الكتابة أكثر عدلًا، ويصبح التراث في موضعه الصحيح: ملكًا لمصر، لا ظلًا في بيتٍ قديم.
دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كُتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين




