مقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (75)… من مقبرة وادي الملوك إلى المتحف الكبير… مرقص باشا سميكة وحماية كنوز توت عنخ آمون

لم يكن اكتشاف مقبرة الفرعون الشاب توت عنخ آمون في 4 نوفمبر 1922م مجرّد حدث أثري استثنائي، بل كان لحظةً مفصلية في التاريخ الثقافي والسياسي لمصر الحديثة، فقد جاء الاكتشاف في زمن لم تكن فيه مصر قد استكملت بعد استقلالها، وكانت السيادة على آثارها ما تزال موضع نزاع بين إرادة وطنية صاعدة، وإدارة أجنبية ورثت تقاليد التنقيب وتهريب الآثار المصرية والتي اعتبرت آثار الشرق “مادة للعرض في متاحف أوروبا”.

وفي هذا المشهد الملتبس، تبرز شخصية مرقص باشا سميكة (1864م – 1944م) بوصفه واحدًا من أولئك الذين أدركوا مبكرًا أن الحفاظ على الآثار ليس عملاً فنياً أو إدارياً فحسب، بل هو حفظ للذاكرة وللهوية، وصيانة لحق الأمة في رواية تاريخها بنفسها.

مرقص باشا وحماية التراث

كان مرقص باشا أحد أبرز أبناء الجيل الذي تشكّل وعيه في نهايات القرن التاسع عشر، في لحظة تلاقت فيها النهضة الفكرية مع البحث عن معنى “المصرية”. كان واسع الثقافة، متبحراً في تاريخ الفن واللغات القديمة، وبقدر ما كان شديد الحساسية تجاه التراث القبطي الذي كرس له جهداً هائلاً انتهى بتأسيس المتحف القبطي عام 1908م، كان كذلك واعياً بأن الهوية المصرية نهر واحد تتفرع منابعُه بين الحضارة الفرعونية والقبطية والإسلامية، وأن الدفاع عن أيٍّ منها هو دفاع عن الكلّ.

وقد شكّل موقعه كعضو بارز في لجنة حفظ الآثار والفنون الجميلة صلةً مباشرة بمراكز القرار الأثري آنذاك، خصوصًا في فترة ما بعد ماسبيرو، حين كانت إدارة الآثار المصرية لا تزال تحت الهيمنة البريطانية، عبر بعثات تنقيب يقودها متخصصون أوروبيون يملكون الخبرة، ويستندون إلى امتيازات غير متكافئة.

شخصية مرقص باشا سميكة في تهريب الآثار المصرية
مرقص باشا سميكة

توت عنخ آمون

وفي خضم هذا الواقع، جاءت لحظة اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون على يد هوارد كارتر، بتمويل من اللورد كارنارفون. وكان واضحًا منذ البداية أن المقبرة تختلف عن أي اكتشاف سابق: مقبرة ملكية شبه كاملة، لم تمتد إليها أيدي اللصوص، تضم مئات القطع، من العرش المذهب إلى العجلات الحربية والتماثيل والقلادات والجعرانات الملكية. وبالقدر نفسه، كانت رغبة كارنارفون في الحصول على نصيب من هذه الكنوز متوقعة، بحكم ما كان يسمى آنذاك بنظام القِسمة (Partage) الذي يسمح للبعثات الأجنبية بالاحتفاظ بجزء من مكتشفاتها.

لكن هنا، يقف مرقص باشا سميكة عند النقطة التي تتحول فيها مهنة الآثار إلى قضية سيادة: لقد أدرك أن قبول القسمة في هذه الحالة يعني تفتيت رمز حضاري لا يتكرر. فالمقبرة ليست اكتشافاً عادياً، بل وثيقة ملكية لروح زمنٍ كامل من الدولة المصرية الحديثة في وادي الملوك

حماية محتويات مقبرة توت عنخ أمون.

وفي تقارير رسمية رفعها إلى الحكومة المصرية ولجنة الآثار، أكّد مرقص باشا أن محتويات المقبرة لا يجوز أن تُعامل كمواد أثرية قابلة للتقسيم، بل يجب أن تُصنف تراثاً قومياً فريداً لا يخرج منه شيء. هذا الموقف لم يكن مجرد رأي ثقافي؛ كان خطوة استراتيجية في إعادة رسم حدود العلاقة بين مصر والبعثات الأجنبية.

ومع تصاعد الروح الوطنية في عهد سعد زغلول، واتساع الإدراك بأن لحظة المقبرة هي فرصة تاريخية لاستعادة حق الدولة في تراثها، وجد موقف مرقص باشا صدىً داخل دوائر صنع القرار. وعندما حاول كارتر، في لحظة توتر مع الحكومة، إغلاق المقبرة ومنع المصريين من العمل داخلها، كان موقف مرقص باشا من أشد المواقف وضوحاً: المقبرة ملك للدولة المصرية، وإشرافها على أعمالها ليس خياراً، بل حق.

اخترنا لك : الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (74)… وادي النطرون يفتح نافذة جديدة على فجر الرهبنة

قانون حماية الآثار

وقد لعب دورًا مهمًا في دعم القرار الذي صدر عام 1924م بإلغاء نظام القسمة نهائيًا، وهو القرار الذي غيّر مسار التاريخ الأثري المصري، ووضع الأساس الأول لما نعرفه اليوم باسم قانون حماية الآثار. وبذلك، لم تخرج أي قطعة من كنوز توت عنخ آمون إلى الخارج، لتبقى جميعها — بما في ذلك القناع الذهبي الشهير — شاهدة على انتصار إرادة الثقافة على منطق الامتيازات الاستعمارية.

وإذا كان التاريخ كثيرًا ما يسلط الضوء على الشخصيات ذات الحضور الإعلامي أو السياسي، فإن مرقص باشا ينتمي إلى فئة الرجال الذين يعملون في هدوء، بثبات، وبإحساس عميق بمسؤولية التاريخ. لم يرفع صوته، ولم يدخل سجالات صاخبة، لكنه كان حاسماً حين احتاج الموقف إلى حسْم؛ واضحًا حين احتاجت البلاد إلى وضوح؛ واقفًا في لحظة كان فيها الوقوف حماية للذاكرة من الضياع.

واليوم، ونحن نرى كنوز توت عنخ آمون تعود إلى الواجهة مع افتتاح المتحف المصري الكبير، حيث تُعرض بصورة لائقة بتاريخها وعمقها ورمزيتها، يصبح من الواجب أن نستدعي هذا الاسم من الظل إلى الضوء. فالحضارات لا تُحفظ بالصدفة، ولا بالأدوات وحدها، ولا بالنوايا الحسنة فقط؛ بل بحضور أشخاصٍ يملكون القدرة على أن يقولوا “لا” حين يكون الصمت تفريطًا.

لقد كان مرقص باشا واحداً من هؤلاء.

دكتور قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بجامعة المنيا؛ عضو اتحاد كتاب مصر،

وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى