
في هذه الحلقة من سلسة المقالات التي تتحدث عن تهريب الآثار المصرية، نذهب بعيدًا، إلى أقصى أمريكا الجنوبية، حيث حدثت مفاجأتان: الأولى أن هناك مجموعة كبيرة من الآثار المصرية هاجرت إلى البرازيل، والثانية – المؤلمة – أن هذه الآثار تعرضت هناك لمأساة ثقافية وإنسانية غير مسبوقة.
كانت هذه القطع ضمن مقتنيات المتحف الوطني البرازيلي في مدينة “ريو دي جانيرو”، العاصمة الإمبراطورية السابقة للبرازيل. ويُعد هذا المتحف أحد أقدم وأهم المؤسسات العلمية والثقافية في أمريكا اللاتينية، حيث أُنشئ عام 1818م، واحتفل عام 2018 م بمرور مئتي عام على تأسيسه. لكن بعد عدة أسابيع قليلة فقط من هذا الاحتفال، وفي مساء الأحد 2 سبتمبر 2018م، اندلع حريق كارثي دمّر أكثر من 90% من مقتنياته، في حادثة وُصفت بأنها من أسوأ الكوارث المتحفية في التاريخ الحديث.
كان المتحف يضم نحو 20 مليون قطعة أثرية، من ضمنها آثار فرعونية، وأعمال فنية يونانية ورومانية، وأحفوريات نادرة من عصور ما قبل التاريخ، وهيكل عظمي للمرأة الأقدم في الأميركتين المعروفة باسم “لوتسيا“، عمره 12 ألف عام.
الآثار المصرية: من النيل إلى البرازيل
بلغ عدد القطع الأثرية المصرية بالمتحف نحو 700 قطعة، من بينها:
- تابوت الكاهنة “شا آمون إن سو“، المشهور بجمال ألوانه وزخرفته، ويعود للأسرة 23 (الفترة المتأخرة).
- مومياء تعود للعصر الروماني بمصر.
- ثلاث مومياوات لكهنة آمون.
- مومياوات لقطط وتماسيح وطائر أبو منجل وأسماك.
- تماثيل أوشابتي، ولوحات جنائزية، وتماثيل برونزية للإله آمون.
وكان من أشهر هذه القطع مومياء لأميرة من العصر الروماني تُعرف باسم “أميرة الشمس“، وهي واحدة من ثماني مومياوات فقط في العالم تم تحنيطها بطريقة نادرة للغاية.
كيف وصلت آثارنا إلى البرازيل؟
تنوعت مصادر وصول هذه المجموعة النادرة إلى المتحف، فبعضها جاء عبر التاجر الإيطالي “نيكولا فنجوا”، الذي نقل قطعًا من مقتنيات مغامر ومهرب الآثار الشهير “جيوفاني باتيستا بلزوني” من مرسيليا إلى البرازيل، حيث اشتراها الإمبراطور البرازيلي بيدرو الأول عام 1826م.
كما حصل المتحف على تابوت الكاهنة “شا آمون إن سو” كهدية رسمية من الخديوي إسماعيل إلى الإمبراطور البرازيلي بيدرو الثاني، خلال زيارته لمصر عام 1876م. ظلَّ التابوت في مكتب الإمبراطور البرازيلي في قصر “ساو كريستوفاو” حتى إعلان الجمهورية عام 1889م، ثم انتقل إلى المتحف الوطني في ريو دي جانيرو. وكان هذا التابوت واحدًا من أجمل وأندر القطع التي استحوذت على اهتمام الزوار.
اندلع الحريق في مساء الأحد 2 سبتمبر 2018م، واستمر حتى فجر اليوم التالي، ولم تنجُ سوى نسبة ضئيلة من مقتنيات المتحف. ورغم تضارب التصريحات بشأن عدد القطع التي تم إنقاذها، فإن التقديرات تؤكد أن نحو 90% من القطع الأثرية دُمرت بالكامل، ومن ضمنها المجموعة المصرية.
ورجّح بعض المسؤولين أن سبب الحريق كان ماسًا كهربائيًا، أو ربما سقوط منطاد ورقي ساخن، إلا أن السبب الدقيق لم يُحدد حتى الآن. وقد أثارت هذه الكارثة موجة من الغضب العالمي، وطرحت أسئلة عديدة عن الإهمال في تأمين المتاحف، وخصوصًا المتاحف التي تضم كنوزًا بشرية نادرة.
علاقات مصر والبرازيل الأثرية:
يرتبط هذا الحادث بتاريخ مثير للاهتمام، وهو شغف الإمبراطور البرازيلي دوم بيدرو الثاني (1825م – 1891م) بالحضارة المصرية. فقد زار مصر مرتين (1871 م و1876م)، وأبدى اهتمامًا كبيرًا بآثارها، وكان يكتب الشعر، ويرسم، ويمارس التصوير الفوتوغرافي، وحرص على جمع قطع أثرية مصرية نادرة.
ظل تابوت “شا آمون إن سو” في قصر الإمبراطور لفترة، قبل أن يُنقل إلى المتحف، ليكون في طليعة القطع المعروضة هناك، حتى أتى الحريق الكارثي ليقضي عليه وعلى عشرات المومياوات والتحف المصرية الأخرى.
مسؤولية مصر الأخلاقية
رغم أن هذه المجموعة خرجت من مصر بطرق قانونية في زمنها، فإن الكارثة أعادت طرح تساؤلات جوهرية: هل تكتفي مصر بدورها في حماية الآثار داخل حدودها، أم أن عليها أيضًا مسؤولية أدبية لمتابعة سلامة مقتنياتها بالخارج؟
وهل ينبغي المطالبة باسترداد الآثار من المتاحف التي تُهمل في صيانتها وتأمينها؟
ربما يكون حريق ريو دي جانيرو جرس إنذار… لا للبرازيليين وحدهم، بل للعالم كله.






