الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (18)… وأخيرا… مصلحة لرعاية الأثار المصرية
الدكتور قاسم زكي يواصل سلسة مقالاتة عن تهريب الآثار المصرية تحت عنوان وأخيرا… مصلحة لرعاية الأثار المصرية
ورغم صدور الفرمانات والمراسيم والقوانين السابقة لتحريم تجارة الأثار (كما ناقشناها في الحلقة السابقة: (17) تطور قوانين حماية الآثار المصرية)، كان لزاما إيجاد هيئة تقوم بذلك وتتابع تنفيذ القوانين وتحفظ تلك الأثار من الضياع. وحسب ما يذكر موقع وزارة الآثار أن الخطوة الأولى للحد من إخراج الأثار المصرية خارج البلاد قد تمت في يوم 15 أغسطس/آب من عام 1835م، عندما قام محمد علي باشا والي مصر بإصدار فرمان يحظر تماما تصدير جميع الأثار المصرية والاتجار بها. وشمل أيضا هذا المرسوم، تخصيص مبنى بحديقة الأزبكية بالقاهرة لاستخدمه كدار لحفظ الأثار.

ولسوء الحظ كانت تلك القطع الأثرية المحفوظة، عادة ما يمنحها حكام مصر لوجهاء أوروبا كهدايا. ومع منتصف القرن التاسع عشر تضاءلت مجموعة القطع الأثرية حتى نقلت إلى قاعة صغيرة بقلعة صلاح الدين (مقر الحكم آئنذاك). وفي العام 1855م، حينما زار الأرشيدوق النمساوي ماكسميليان (ولي عهد الإمبراطورية النمساوية) هذه القاعة وهو بالقاهرة، أعجب بالمجموعة الأثرية فأهداها له والي مصر سعيد باشا ونقلت إلى فيينا لتصبح نواة القسم المصري في متحف فيينا فيما بعد. ويبلغ عدد قطع الأثار المصرية الفرعونية وأثار الشرق الأوسط الموجودة في متحف تاريخ الفنون في فيينا نحو 12000 أثر قديم، وهي تعد من أكثر المجموعات الأثرية في العالم للفن المصري القديم.
بداية إنشاء المصلحة:
وبحسب إحدى المجلات العلمية، فإن قرار محمد على باشا إنشاء هذا المتحف (المخزن)، جاء على أثر زيارة عالم الأثار الفرنسي “شامبليون” لمصر (1828م-1829م)، وأثناء تلك الزيارة طلب محمد على من العالم الأثري كتابة كتاب عن الأثار المصرية، فيما ترجاه وقتها “شامبليون” القضاء على طرق السلب والنهب الوحشية التي تنتهك بها الأثار المصرية، وإنشاء هيئة تقوم بحفظ الأثار المكتشفة.
وحين تم الشروع في إنشاء مصلحة الأثار لحماية كنوز المحروسة، فقد أسندت إدارتها إلى يوسف ضياء أفندي بإشراف الشيخ رفاعة الطهطاوي (1801-1873م)، والذي عاش فترة في باريس مرافقا لأول بعثة علمية مصرية، وتعلم هناك وساهم بدوره التنويري في تحريك الضمير الوطني في مصر في أثناء القرن التاسع عشر، وإعادة الاهتمام بأثار الماضي وساهم في التوصية بإصدار فرمان 15 أغسطس 1835م بمنع التهريب والاتجار في الأثار المصرية إلى الخارج، بل صيانتها والحفاظ عليها وإنشاء دار لحفظ المكتشف منها. وبدأ يوسف ضياء أفندي بالتفتيش على أثار مصر الوسطى والتي كان يعثر عليها الفلاحون عند نقلهم للسماد من التلال الأثرية. ولكن بوفاة محمد على باشا عام 1849م، عادت الفوضى مرة أخرى لقطاع الأثار المصرية.
مارييت باشا ومصلحة حقيقة لحفظ الآثار:
وخلال عام 1858م صدًق “سعيد باشا” على إنشاء مصلحة الأثار، وذلك للحد من استمرارية الاتجار المحظور في الأثار المصرية، وتم تعيين العالم الفرنسي “أوجست مارييت” كأول مدير لتلك المصلحة، وتعد مصلحة الأثار المصرية من أهم المؤسسات العلمية، التي مثلت حلقة من حلقات تطور إجراءات حفظ الأثار المصرية، وكان الهدف من تأسيسها عام 1858م القيام على رعاية أعمال التنقيب عن الأثار، وتسجيل كل ما يكتشف منها، وتنظيم ما يصلح منها للعرض في متحف وما يوضع في مخازنه، كذلك التنسيق بين الموقع الأثري والمتحف ومتابعة النشر العلمي للمواقع والقطع الأثرية.
سيطرة فرنسية على مصلحة الآثار:
ويعد تأسيس تلك الهيئة انطلاقة جيدة على طريق تحقيق حماية الأثار المصرية من النهب والتخريب. وقد توالى على رئاسة مصلحة الأثار المصرية منذ إنشائها عام 1858م والى قيام ثورة يوليو 1952م علماء مصريات فرنسيون، إلى أن تم تمصريها عام 1953م. فبعد وفاة “مارييت” تعاقب على رئاسة مصلحة الأثار العديد من علماء فرنسا، فتولى “جاستن ماسبيرو” رئاستها حتى عام 1886م، ثم تركها لـ “أوجين جريبو” الذي تولاها حتى1892م، ثم “دي مورجان” حتى عام 1897م، ثم “فيكتور لورييه” الذي ترك منصبه عام1899، ليعود “جاستن ماسبيرو” مرة أخرى ليتولاها حتى عام 1914م.
وقد عملت مصلحة الأثار المصرية على الإشراف على تأسيس وتنظيم المتاحف وعمليات الكشف الأثري في كافة ربوع مصر، كذلك إصدار القوانين التي من شأنها حماية الأثار المصرية من النهب والتخريب. وقد قام مارييت بموافقة من الخديوي إسماعيل بإنشاء أول متحف وطني في الشرق الأوسط، وتم افتتاحه في عام 1863م (في حكم الخديوي إسماعيل) بمبنى حكومي مؤقت بمنطقة بولاق (الأنتيكخانة). والذي نقل فيما بعد إلى قصر الخديوي إسماعيل بالجيزة بسبب خطر فيضان النيل، ثم أنشأ المتحف الجديد بميدان الإسماعيلية (التحرير حاليا) والذي افتتح عام 1902م.
تمصير مصلحة الآثار المصرية:
كانت مصلحة الأثار على مدار قرن تقريبا منذ تأسيسها تحت رئاسة علماء فرنسيين، وفي عام 1956م ومع جلاء قوات الاحتلال البريطاني نهائيا عن مصر أصبحت مصلحة الأثار هيئة حكومية مصرية خالصة. وكان أول مدير مصري لها هو الدكتور مصطفى عامر، الذي تولى منصبه في عام 1953م واستمر نحو 3 سنوات، وهو مؤسس المدرسة الجغرافية المصرية وأستاذ الجغرافيا التاريخية بقسم الجغرافيا، بكلية الآداب جامعة القاهرة وأول رئيس للقسم. وتبعت مصلحة الأثار في البداية وزارات الأشغال العمومة، ثم التعليم، ثم الإرشاد القومي بالترتيب، وخلال عام 1960م تم نقل تبعيتها إلى وزارة الثقافة.
وفي العام 1971م وخلال فترة رئاسة السيد/ جمال مختار تحولت مصلحة الأثار إلى هيئة الأثار المصرية، ثم تم تغيير الاسم من هيئة الأثار المصرية إلى المجلس الأعلى للأثار خلال عام 1994م، وذلك بموجب القرار الجمهوري رقم 82 لسنة 1994م، وأصبح الأستاذ الدكتور/ محمد عبد الحليم نور الدين أول أمين عام للمجلس الأعلى للأثار. وفي عام 2011م استقل المجلس الأعلى للأثار عن تبعيته لوزارة الثقافة وتحول إلى وزارة مستقلة، وأصبح الدكتور/ زاهي حواس أول وزير لوزارة الدولة لشئون الأثار، وخلال عام 2015م فى عهد حكومة رئيس الوزراء المهندس شريف إسماعيل، تحولت وزارة الدولة لشئون الأثار إلى وزارة الأثار.، وأصبحت هي المنظمة الحكومية المصرية التي تعمل على حماية وحفظ التراث والتاريخ القديم لمصر.
أستاذ الوراثة بكلية الزراعة جامعة المنيا،
عضو اتحاد الأثريين المصريين، وعضو اتحاد كتاب مصر



