مقالات

الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية ( 51) .. حِيَل تتجدد ونهب لا يتوقف

تُعدّ الآثار المصرية واحدة من أثمن الكنوز الإنسانية، ليس فقط لقيمتها التاريخية والفنية، بل لما تمثّله من هوية وطنية وجذور حضارية ضاربة في أعماق الزمن. ومنذ عقود، لم تتوقف محاولات تهريب تلك الكنوز إلى الخارج، بل ازدادت شراسةً وتنظيماً، في ظل تطور أدوات التهريب، وتواطؤ بعض ضعاف النفوس، وتهاون البعض في حماية هذا الإرث العظيم.

في هذا المقال نستعرض أبرز أساليب تهريب الآثار المصرية التي اتخذت أشكالًا متعدّدة، جمعت بين البدائية والاحتراف، وبين الفردية والتنظيم الشبكي العابر للحدود. وسوف نفصل في المقالات التسع القادمة (52 -60) بعض تلك الأساليب التي تمت وكيف تم كشفها.

  1. الحفر العشوائي والاتجار غير المشروع:

تبدأ الكثير من عمليات التهريب من الحفر غير المشروع الذي يتم غالبًا في مناطق أثرية غير مؤمّنة، سواء داخل القرى أو أطراف المدن أو في محيط المعابد والمقابر القديمة. كثير من الأهالي أو الباحثين عن الثراء السريع يلجؤون إلى التنقيب ليلاً مستخدمين أدوات بسيطة، وفي أحيان أخرى بمساعدة أجهزة كشف معادن حديثة. وعند العثور على قطع أثرية، يتم بيعها لتجار وسماسرة في السوق السوداء، وغالبًا ما تُهرّب إلى خارج البلاد بطرق ملتوية.

  1. التهريب في شحنات تجارية:

من أكثر الأساليب شيوعًا هو إخفاء الآثار ضمن شحنات تصدير رسمية مثل الأثاث، أو الأقمشة، أو التمور، أو المنتجات الحرفية. حيث تُغلّف القطع الأثرية الصغيرة داخل قطع ديكور أو تُدمج في أثاث خشبي يبدو عاديًا عند المرور عبر أجهزة التفتيش. أما القطع الكبيرة، فيُعاد تفكيكها أو تقطيعها، ومن ثم تغليفها داخل حاويات مواد بناء أو آلات زراعية لتبدو كأنها أدوات مستخدمة لا تثير الشبهات.

  1. التهريب في الحقائب الشخصية:

يستغل بعض المهربين السفر الجوي لتهريب قطع صغيرة من المجوهرات أو التمائم أو العملات داخل حقائب سفرهم. وقد تُخبأ هذه القطع داخل طيات الملابس، أو في تجاويف صناعية بالحقيبة، أو حتى داخل أطعمة مغلفة. وغالبًا ما يعتمدون على مطارات مزدحمة أو مطارات داخلية لا تحتوي على إجراءات تفتيش صارمة.

  1. استغلال الحصانة الدبلوماسية:

تُعد هذه الطريقة الأخطر والأكثر إثارة للرأي العام، حيث استُخدمت الحصانة الدبلوماسية في بعض القضايا لتهريب الآثار داخل حقائب دبلوماسية لا تخضع للتفتيش الروتيني. أشهر تلك القضايا فضيحة تهريب الآثار المصرية إلى إيطاليا عام 2018م، عبر حاوية دبلوماسية خرجت من ميناء الإسكندرية إلى ميناء ساليرنو، وعُثر فيها على آلاف القطع الأثرية منها المصرية. وهو ما كشف عن تواطؤ دبلوماسيين أجانب مع شبكة تهريب منظمة، تورط فيها مصريون وإيطاليون.

  1. التهريب عبر المزادات الإلكترونية والمواقع المشبوهة:

مع انتشار الإنترنت، ظهرت طرق جديدة لبيع وتهريب الآثار. حيث تُعرض قطع أثرية عبر مزادات إلكترونية تدّعي شرعية ملكية القطعة، وتخفي معلومات المصدر. ويتم شحن هذه القطع غالبًا عبر البريد الدولي أو شركات الشحن الخاصة، بعد تزوير مستندات الملكية. وغالبًا ما يختار المهربون دولًا لا تُطالب بشهادات منشأ دقيقة أو لا تلتزم بالاتفاقيات الدولية بشأن حماية التراث.

  1. التمويه الفني:

يلجأ البعض إلى طلاء القطع الأثرية لتبدو كتحف مقلدة أو حديثة الصنع، أو يتم تركيبها ضمن لوحات زخرفية أو مزهريات خادعة، خاصة للتمائم والتماثيل الصغيرة. وفي بعض الحالات، يُعاد تشكيل القطعة أو تفكيكها لأجزاء تُرسل كل على حدة لتجميعها مجددًا في الدولة المستقبِلة.

اخترنا لك : الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية ( 50) ..تشونسي مورتش (القس الذي أحب الذهب أكثر من الكتب المقدسة!)

  1. تورط موظفين ومسؤولين فاسدين:

لا يمكن إغفال دور بعض الموظفين أو المسؤولين الفاسدين في تسهيل التهريب، سواء عبر غضّ الطرف عن عمليات الحفر، أو بتسريب معلومات عن أماكن الحفائر الرسمية، أو عبر التلاعب بوثائق الجرد والمتاحف. وقد كشفت قضايا عدّة عن تواطؤ شخصيات نافذة، كما حدث في قضية القنصل الإيطالي في الأقصر، أو في قضايا اتُهم فيها أفراد من داخل هيئات حكومية.

  1. بيع القطع من خلال المعارض والمتاحف الأجنبية:

في بعض الحالات، تُباع القطع الأثرية عبر وسطاء دوليين إلى متاحف أو معارض أجنبية. بعض هذه المعارض يشترط فقط ما يُسمى “الأثر بلا مالك” (Orphan Artifacts) أو يعتمد على فواتير مزورة تُظهر أن القطعة اشتُريت من سوق أثري مشروع. هذه الطريقة تتيح تهريبًا شرعيًا ظاهريًا، لكن مصدر القطعة غالبًا غير قانوني.

  1. آثار مدمّرة لجرائم التهريب:

تهريب الآثار لا يُفقد مصر جزءًا من تراثها المادي فقط، بل يُفقدها أيضًا فرصة قراءة التاريخ، وفهم الماضي، وبناء الهوية. فكل قطعة تُهرّب تُقطع من سياقها الحضاري، وتُسلب من بيئتها الأثرية التي تمنحها قيمتها الكاملة. وتُعد هذه الجرائم انتهاكًا للأمن القومي، وتشويهًا لصورة مصر عالميًا، وإضعافًا لقدرتها على استرداد ما يُنهب منها.

  1. مواجهة مستمرة… ولكنها بحاجة لتضافر:

رغم الجهود الحكومية والمجتمعية المتواصلة، لا تزال شبكات تهريب الآثار نشطة. ولذا، يجب تعزيز القوانين الرادعة، وتطوير نظم الحماية الإلكترونية للمواقع الأثرية، وتكثيف الرقابة الجمركية، والأهم: نشر الوعي المجتمعي بأهمية حماية تراثنا. فتاريخ مصر لا يُقدّر بثمن، وكنوزها ليست للبيع، وحمايتها مسؤولية وطنية لا تقبل التهاون.

بقلم: د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة بكلية الزراعة – جامعة المنيا
عضو اتحاد الأثريين المصريين – عضو اتحاد كتاب مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى