غير مصنفمقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (54)… تابوت في الأريكة: أغرب محاولات تهريب الآثار المصرية

في واقعة نادرة أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، كشفت إدارة الجمارك الجوية بدولة الكويت، يوم الجمعة 2 مارس 2018م، عن محاولة غريبة  ضمن محاولات تهريب الآثار المصري، وهي لأثر فرعوني خارج مصر. فقد تم العثور على غطاء تابوت فرعوني مخبأ داخل أريكة “كنبة” مشحونة جوًا من القاهرة إلى الكويت، وهو ما يُعد من أغرب طرق التهريب وأكثرها جرأة واستخفافًا.

شكوك بدأت بـ”كنبة

تفاصيل الواقعة بدأت حين تقدم مواطن كويتي لاستلام شحنة أثاث شخصي واردة من مصر، شملت أريكة ضخمة. وهو ما أثار ريبة رجال الجمارك، إذ من غير المعتاد أن يستورد شخص كنبة من الخارج جوًا. وبتمرير الشحنة عبر أجهزة الفحص المتقدمة، ظهرت صورة جسم غريب داخل الأريكة، ليتبيّن لاحقًا أنه غطاء تابوت فرعوني يبلغ طوله نحو 170 سم، أُخفي بإحكام وبطريقة مبتكرة أثارت الشكوك.

تشكيل لجنة وتعاون مصري–كويتي

أُحيل الغطاء فورًا إلى المجلس الوطني الكويتي للثقافة والفنون والآداب، والذي شكّل لجنة متخصصة ضمت خبراء آثار كويتيين، بالإضافة إلى أستاذين مصريين معارين بجامعات الكويت: د. السيد محفوظ من جامعة أسيوط، ود. أحمد سعيد من جامعة القاهرة. وبحكم توقيت الواقعة تزامنًا مع اجتماعات خبراء التراث العرب في الكويت، شاركت مندوبة مصر في فحص القطعة أيضًا.

أوصت اللجنة بإعادة التابوت إلى مصر، نظرًا لصعوبة التأكد من أثرية القطعة دون تنظيفها وفحصها بمعامل متخصصة. حيث كانت مغطاة بطبقة كثيفة من الأتربة والأوساخ، تعيق تحديد تفاصيلها.

مصر تؤكد الأثرية وتكشف التفاصيل

وبعد وصول غطاء التابوت إلى مصر، أكدّت وزارة الآثار أنه أثري بالفعل، ويعود إلى نهاية العصر الفرعوني وبداية العصر البطلمي. وأوضحت أنه من طراز التوابيت الخشبية الآدمية، بطول 185.6 سم، وعرض عند القاعدة 30 سم، وبأقصى عرض عند الصدر 54 سم. الجزء الداخلي منه مجوّف باستخدام أزاميل يدوية، تظهر آثارها عند الرأس والقاعدة. وكان الغطاء منحوتًا على هيئة مومياء في وضع “أوزيري”، لكن دون الأيدي المتشابكة المعتادة، ما قد يشير إلى قيمة فنية وتسويقية أقل، رغم كونه قطعة أثرية نادرة.

وبحسب اللجنة المصرية، لا توجد بيانات تسجيل رسمية للقطعة في سجلات المتاحف أو المخازن، مما يُرجح أنها خرجت من مصر نتيجة تنقيب غير مشروع.

الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية ( 53) .. تابوت منكاورع: سرقة ملكية انتهت في قاع المتوسط

خيوط التحقيق: من مطار القاهرة إلى النيابة:

بدأت السلطات المصرية تحقيقًا موسّعًا لكشف ملابسات خروج التابوت من البلاد. وبعد مراجعة كاميرات مطار القاهرة، تبين أن الشحنة مرت عبر قرية البضائع دون أن تُعرض على مندوب الآثار المختص. واتضح أن أمين شرطة كان يعمل على جهاز الفحص لحظة مرور الكنبة، كان منشغلاً بالحديث في الهاتف ووجهه في الجهة المقابلة، ما سمح بمرور القطعة دون ضبطها.

باشرت نيابة النزهة التحقيق في القضية رقم 3545 لسنة 2018، مع أربعة متهمين:

  1. إلهام.ع.م – صاحبة شركة شحن والمتهمة الرئيسية.
  2. محمد.س.م – أمين شرطة بمطار القاهرة.
  3. حسين.أ.م – صاحب شركة شحن.
  4. عبدالله.م – موظف بالشركة.

وتبين أن المتهمين الثالث والرابع لم يثبت تورطهما، فاعتبرتهما النيابة العامة شاهدين في القضية، بينما قررت حبس المتهمَين الأول والثاني على ذمة التحقيق.

الغطاء يعود إلى أرض الوطن:

في 8 أكتوبر 2018م، تسلمت وزارة الخارجية المصرية غطاء التابوت رسميًا من نظيرتها الكويتية، بعد تنسيق دام ثمانية أشهرً. وأكدّت وزارة الآثار أن الغطاء مصنوع من الخشب، على هيئة شخص نائم واضعًا يديه على صدره، ومنقوش على جانبيه كتابات تحدد نسبه الزمني لعصر البطالمة.

وأعربت مصر عن شكرها لدولة الكويت، التي التزمت باتفاقيات حماية التراث، وتعاملت مع الواقعة بمسؤولية واحترام.

دلالات خطيرة ورسائل واضحة:

تكشف هذه الحادثة الخطيرة عدة حقائق:

  1. التفنّن في طرق التهريب: استخدام كنبة لإخفاء تابوت يكشف مدى جرأة المهربين وابتكارهم، واستعدادهم لاستخدام أي وسيلة، حتى الأثاث المنزلي، لتهريب كنوز البلاد.
  2. تقصير داخل المنافذ المصرية: غياب الرقابة الفعالة، وتواطؤ بعض الموظفين، أدى إلى خروج القطعة دون عرضها على مفتش الآثار في المطار، ما يمثل ثغرة خطيرة.
  3. أهمية التعاون الدولي: نجاح الكويت في ضبط التهريب، وإعادتها للقطعة، يعكس التزامها الأخلاقي والدولي، ويبرز أهمية التعاون العربي في حماية التراث.
  4. ضرورة دعم الأجهزة الأثرية: من المهم تزويد مفتشي الآثار بالسلطات والإمكانيات التي تكفل لهم أداء واجبهم على أكمل وجه، خاصة في المطارات والموانئ.

الختام: التهريب يهدد ذاكرة الوطن:

تهريب الآثار ليس مجرد سرقة ممتلكات، بل هو طمس لملامح التاريخ، وتشويه لهوية وطنية تمتد آلاف السنين. ومن المؤلم أن تتم هذه الجرائم أحيانًا بمشاركة أو تواطؤ بعض أبناء الوطن.

وإن كانت هذه القطعة قد عادت، فإن آلافًا غيرها لم تُكتشف بعد، وربما تباع في مزادات عالمية تحت أسماء مزيفة.

حماية الآثار ليست مهمة الدولة فقط، بل واجب وطني على كل مصري، لأن كل قطعة تُهرّب، هي جزء من ذاكرتنا نُفقده إلى الأبد.

دكتور قاسم زكى؛

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة جامعة المنيا،

عضو اتحاد الأثريين المصريين، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى