مقالات

الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (40): متحف إسرائيل بالقدس.. كنوز مصرية تحت الاحتلال

ونأتي الأن الى متاحف الجيران وما بها من آثار مصرية، وفي هذا المقال من سلسلة المقالات التي تتحدث عن تهريب الآثار المصرية، ولعل إسرائيل تخوض مع مصر والبلدان العربية صراع وجود (وليس صراع حدود)، فهناك تاريخ طويل مشترك بين المجموعات العرقية لمنطقة الشرق الأوسط. وإسرائيل حريصة جدا لإثبات وجودها التاريخي في هذه المنطقة، ولعل المتاحف تلعب دورا كبيرا في هذا التنافس.

ورغم صغر مساحتها وحداثة نشأتها، تضم إسرائيل ما يقرب من 300 متحف، بينها نحو 40 متحفًا رسميًا، وهي بذلك من أكثر الدول كثافة بالمؤسسات المتحفية نسبة إلى عدد السكان. ويأتي في مقدمة هذه المتاحف «متحف إسرائيل» بالقدس، الذي أُسس عام 1965م ليصبح المتحف الوطني لدولة الاحتلال، ويُعد اليوم من أبرز المتاحف في الشرق الأوسط من حيث الحجم والتنوع.

لكن خلف هذه الواجهة الثقافية اللامعة، تختبئ قصة أكثر تعقيدًا تتعلق بموقع هذا المتحف على خريطة نهب التراث الإنساني، وتحديدًا الآثار المصرية التي تتصدر كثيرًا من قاعاته، سواء من خلال المعروضات الرسمية أو المقتنيات التي وصلت بطرق غير مشروعة. وتثير هذه القضية العديد من التساؤلات حول المسكوت عنه في ملف العلاقات الثقافية بين مصر وإسرائيل، خاصة في ظل غياب اتفاقية ثنائية تنظم استعادة الممتلكات الثقافية المهربة.

اخترنا لك : الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (39): كارثة المتحف الوطني بالبرازيل ومأساة آثارنا المحروقة

آثار مصرية على الرفوف العبرية:

لا تتوفر إحصاءات دقيقة بشأن عدد القطع الأثرية المصرية الموجودة في إسرائيل، لكن زار بعض الأثريين المصريين متحف إسرائيل بالقدس وعاينوا بأنفسهم عددًا كبيرًا من القطع الأصلية. من بين هذه المعروضات تماثيل للمعبودة المصرية “باستت” وبجانبها الإله “جحوتي”، بالإضافة إلى خناجر وسكاكين فرعونية، وثلاثة سيوف، من بينها سيف «منجلي» نادر يشبه ما عُثر عليه في مقبرة توت عنخ آمون. كما توجد مركب مصري صغيرة، وتماثيل لخادمين وصانع بيرة، ومجموعة من الأوشابتي، والأقنعة الجنائزية، ولوحات من كتاب الموتى، ونسخة رائعة من لعبة “السينيت” المصرية القديمة.

هذه المقتنيات لا تشكل مجرد عرض بصري للزائر، بل تمثل إحدى أدوات الاحتلال الناعمة لتثبيت وجوده التاريخي في المنطقة، وخلق سردية حضارية موازية تدعي التواصل مع جذور الشرق القديم، وعلى رأسها مصر.

 

إسرائيل وتجارة الآثار: شرعنة للنهب:

المفارقة أن القوانين الإسرائيلية لا تُجرّم تجارة الآثار، بل تسمح ببيعها وشرائها داخل البلاد. وبما أن إسرائيل لم توقع على اتفاقية اليونسكو لعام 1970 الخاصة بمنع الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية، فإن ذلك يفتح المجال لنهب واسع النطاق لا تجد فيه الآثار المصرية حماية قانونية كافية.

وقد تحولت إسرائيل إلى سوق دولي مفتوح لبيع الآثار المصرية، سواء عبر المزادات أو المحال أو المجموعات الخاصة. ويؤكد خبراء الآثار أن العديد من القطع خرجت من مصر خلال فترات الانفلات الأمني، لا سيما بعد ثورة 25 يناير 2011م، لتجد طريقها إلى تل أبيب والقدس. وقد تمكنت السلطات المصرية، بجهود دبلوماسية مكثفة، من استرداد بعض القطع، كان من أبرزها تابوتان أثريان تم استعادتهما عام 2016م، بعد ظهورهما في مزاد علني بإسرائيل.

وفي واقعة أخرى، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي ورئيس الوزراء ألأسبق وزعيم المعارضة منذ 2023م “”يائير لبيد” عام 2022م عن تسليمه لمصر مجموعتين أثريتين: الأولى تضم 95 قطعة مصرية، من بينها تماثيل وأوشابتي ولوحات جنائزية، والثانية تم ضبطها في إحدى صالات المزادات بالقدس.

موشيه ديان وسيناء.. نهب رسمي:

التاريخ يسجل أن بعض الشخصيات السياسية والعسكرية الإسرائيلية كانت وراء أكبر عمليات سرقة للآثار المصرية، خاصة خلال فترة احتلال سيناء (1967م–1982م). ولعل الجنرال موشيه ديان هو أشهر هؤلاء، فقد قاد حفريات سرية ونهب عشرات القطع من مواقع أثرية، أبرزها معبد “سيرابيط الخادم” في جنوب سيناء. كما يحتفظ متحف إسرائيل بعدد من القطع التي جُمعت خلال تلك الحقبة، بعضها ما زال يعرض حتى اليوم دون أي توثيق رسمي لمصدره أو طريقة خروجه من مصر.

وقد وثّق الدكتور عبد الحليم نور الدين، رئيس المجلس الأعلى للآثار الأسبق، في كتابه “الآثار المصرية المستردة من إسرائيل”، تفاصيل معقدة عن جهود مصر لاستعادة هذه القطع، والتي استمرت لأكثر من عشر سنوات وأسفرت عن استرداد نسبة كبيرة منها، وإن لم تكن كاملة.

البحث عن “آثار الخروج:

يرتبط اهتمام إسرائيل بالآثار المصرية أيضًا بمحاولة إثبات ما يُعرف بـ”آثار الخروج”، وهي الرواية التوراتية التي تزعم خروج بني إسرائيل من مصر عبر سيناء. ولذلك، فإن البعثات الإسرائيلية نفذت أكثر من 35 حملة تنقيب في مناطق متعددة من سيناء، شملت مواقع مثل “عين القديرات” و”الكونتيلّا”، بحثًا عن أدلة أركيولوجية تدعم السردية الدينية اليهودية.

ويلاحظ أن أي اكتشاف أثري مصري في المنطقة يقابل باهتمام استثنائي من الباحثين الإسرائيليين، الذين يسارعون إلى تفسيره في إطار روايات التوراة، حتى دون وجود دليل علمي قاطع. ويؤكد بعض المؤرخين أن الآثاريين الإسرائيليين سبقوا جنودهم إلى سيناء، إذ بدأت عمليات المسح الأثري منذ العدوان الثلاثي عام 1956م، واستمرت بشكل مكثف بعد نكسة 1967م.

الختام: متاحف تحت الاحتلال:

إن قصة متحف إسرائيل في القدس ليست مجرد قصة متحف يعرض تحفًا فنية وأثرية من مصر القديمة، بل هي نموذج لنهب منظم للهوية الثقافية والحضارية، تُمارس فيه القوة الناعمة للاحتلال بغطاء ثقافي وأكاديمي. وتبقى استعادة هذه الآثار، ومحاسبة من سهلوا تهريبها، مسؤولية وطنية وتاريخية لا ينبغي التفريط فيها، خاصة في ظل محاولات البعض طمس الذاكرة المصرية وإعادة صياغة التاريخ بأدوات غير نزيهة.

د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة – كلية الزراعة – جامعة المنيا
عضو اتحاد الأثريين المصريين – عضو اتحاد كتاب مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى