مقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (94)… فلاح الغربية ورمسيس الثاني… مكافأة الأمانة تحمي آثار مصر

"كشف بهبيت الحجارة يفتح نقاشًا حول قانون حماية الآثار، وواجب الإبلاغ، وأهمية مكافأة من يصون ذاكرة الوطن، كما يتم معاقبة تهريب الآثار المصرية

في أرض مصر، قد تلامس يد فلاح حجرًا يختزن آلاف السنين، فتبدأ حكاية تتجاوز حدود الحقل إلى صفحات التاريخ. لكن اللحظة الفاصلة ليست العثور وحده، وإنما القرار الذي يتخذه صاحبه: هل يبلغ المختصين ويحفظ للمكان أسراره، أم يستجيب لوهم الثراء السريع؟ وعصابات تهريب الآثار المصرية قدم المواطن خالد الشحات خليل، ابن قرية بهبيت الحجارة بمركز سمنود بمحافظة الغربية، إجابة تستحق التقدير، حين بادر بالإبلاغ عما وجده في أرضه، ففتح الطريق أمام كشف أثري مهم.

بحسب وزارة السياحة والآثار، بدأت الواقعة بعثور المواطن، أثناء عمله بقطعة أرض يمتلكها أمام منزله، على كتلة حجرية تحمل نقوشًا. أبلغ التفتيش الأثري المختص، فتحركت لجنة للمعاينة، وحُررت محاضر إثبات الواقعة، وبدأت حفائر إنقاذ نفذها متخصصو المجلس الأعلى للآثار. وأسفرت الأعمال عن بقايا تمثالين ملكيين ضخمين، أحدهما لرمسيس الثاني، بينما يُرجح أن يعود الآخر إليه أيضًا، وكتلة من الجرانيت الوردي تحمل بعض ألقابه الملكية. وهذه الدقة ضرورية؛ فالمعلن بقايا تمثالين، ونسبة الثاني ما زالت ترجيحًا.

أثر التصرف المسؤول في حماية التراث.

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية
فلاح مصري يكتشف تمثال ضخم لـ رمسيس الثاني في أرض

تستحق الحكاية الاحتفاء لأنها تكشف أثر التصرف المسؤول في حماية التراث. فبلاغ واحد أتاح للمتخصصين التعامل مع الموقع، بدلًا من تفكيك شواهده وتوزيعها بين الأيدي. والأثر يستمد جانبًا من قيمته المعرفية من موضعه وعلاقته بما يحيط به؛ فقد يساعد اتجاه كتلة أو تجاور نقوش في فهم وظيفة بناء وتاريخ استخدامه. لذلك فإن حماية مكان العثور توازي أهمية حماية القطعة نفسها، ويصبح المواطن أول حلقة في سلسلة إنقاذ المعرفة.

فماذا يقول القانون؟ تلزم المادة الرابعة والعشرون من قانون حماية الآثار رقم ١١٧ لسنة ١٩٨٣ وتعديلاته، من يعثر مصادفة على أثر منقول، أو أجزاء من أثر ثابت، بإخطار أقرب سلطة إدارية خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، والمحافظة عليه حتى تتسلمه الجهة المختصة. ويصبح الأثر ملكًا للدولة، ويجوز للمجلس منح المبلّغ مكافأة تحددها اللجنة الدائمة المختصة تبعًا لأهمية الأثر. والمكافأة هنا جوازية، وليست مبلغًا تلقائيًا أو نسبة محددة من ثمن مفترض للقطعة.

وعمليًا، فإن التصرف الأسلم عند ظهور ما يُشتبه في أثريته هو وقف العمل الذي قد يضر به، وإبلاغ تفتيش الآثار والسلطة الإدارية فورًا، وتوثيق البلاغ. فلا ينبغي انتظار انقضاء المهلة، أو محاولة تنظيف النقوش بأدوات حادة، أو نقل الأحجار الثقيلة، أو استكمال الحفر بحثًا عن المزيد. ومن المفيد أن يعرف المواطن أن وصف الحجر وتحديد طبيعته مهمة المختصين؛ وليس مطلوبًا منه أن يحسم بنفسه عمره أو اسم الملك المنقوش عليه قبل الإبلاغ.

هل من حق صاحب الأرض امتلاك ما يظهر فيها؟

وتثير الواقعة سؤالًا اقتصاديًا حساسًا: أليس من حق صاحب الأرض امتلاك ما يظهر فيها؟ في حالة الأثر المكتشف مصادفة، يقرر القانون ملكيته للدولة. كذلك تتيح المادة الثالثة والعشرون مكافأة المرشد إلى أثر عقاري غير مسجل ذي أهمية خاصة، وتنظم التعامل معه. ويجب التمييز بين مكافأة الإبلاغ والتعويض المتعلق بالأرض عند اتخاذ إجراء قانوني بشأنها؛ فهما مساران مختلفان، ولا تُضاف قيمة الآثار إلى تقدير الأرض المنزوعة ملكيتها.

وقد جاء التقدير الرسمي لخالد خليل سريعًا؛ إذ أعلنت وزارة السياحة والآثار أن الوزير شريف فتحي أهداه وزوجته شهادة تكريم ورحلة عمرة، تقديرًا لأمانته ومبادرته بالإبلاغ. وهي لفتة تحمل رسالة طيبة إلى المجتمع. لكن الإعلان عن هذا التكريم لا يكفي وحده للجزم بصدور قرار بالمكافأة المنصوص عليها في المادة الرابعة والعشرين، أو بتحديد قيمتها؛ فهذا أمر يتصل بإجراءات المجلس واللجنة المختصة.

تفعيل المكافآت المادية

ومن هنا، أدعو إلى تفعيل المكافآت المادية المستحقة وفق الضوابط القانونية، وإعلان معاييرها وإجراءات طلبها بوضوح. فالمواطن يحتاج إلى معرفة الجهة التي يتقدم إليها، والمستندات المطلوبة، وكيف يتابع طلبه، ومتى يتلقى الرد. كما يستحق أن يُشرح له سبب القرار، سواء انتهى إلى المنح أو غير ذلك. وضوح الإجراءات يخفف مساحة الشائعات، ويحول النص القانوني إلى ممارسة يراها الناس ويثقون بها، ويؤكد أن الأمانة تحظى بتقدير ملموس.

ولا تنتقص المكافأة من وطنية صاحب البلاغ؛ فالاعتراف بالتضحيات المادية والوقت والجهد يعزز السلوك المسؤول. وقد يكون صاحب الأرض محدود الدخل، يخشى تعطيل مورد رزقه أو الدخول في إجراءات لا يفهمها. لذلك أقترح تخصيص موظف لمتابعة كل حالة، يشرح لصاحبها ما يجري بلغة بسيطة، ويوضح وضع الأرض والخطوات المقبلة. وكلما انخفض الغموض، زادت قدرة المواطن على التعاون، وتراجعت فرص استغلال مخاوفه بواسطة الوسطاء ومروجي قصص الكنوز.

وفي المقابل، ينبغي أن تظل الرسالة واضحة: مكافأة العثور العرضي لا تعني تشجيع التنقيب الفردي. فقانون حماية الآثار يحظر الاتجار، ويجعل الكشف والتنقيب من اختصاص المجلس، مع إمكان الترخيص للجهات العلمية وفق شروطه. ومن ثم لا يجوز تحويل قصة فلاح الغربية إلى دعوة للحفر في الحقول والمنازل بحثًا عن مكافأة. والمطلوب إعلاميًا إبراز سرعة الإبلاغ وحسن التعاون، وتجنب اختزال الواقعة في أسعار خيالية تثير الطمع وتغذي سوقًا تهدد التراث.

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (93)… تجارة المومياوات… حين تتحول «لعنة الفراعنة» إلى خطر صحي حقيقي

قراء «كومودتي ماركت»

ولقراء «كومودتي ماركت»، تحمل الواقعة درسًا في إدارة الموارد العامة: حماية الأصل الثقافي تبدأ ببناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وأقترح أن يصاحب التكريم برنامج محلي للتوعية في القرى، تشارك فيه المدارس والجمعيات الزراعية والوحدات المحلية. ويمكن إعداد بطاقة مبسطة توضح خطوات الإبلاغ والجهات المسؤولة، مع نشر قصص المواطنين الذين تعاونوا مع المختصين. فالمعرفة القريبة من الناس أكثر قدرة على مواجهة الشائعة من بيانات رسمية لا تصل إلى الحقل أو البيت.

لقد أحسن خالد الشحات خليل حين اختار الإبلاغ، وأحسنت الجهات المعنية بتقدير موقفه. وتبقى الخطوة الأوسع أن تصبح تجربته نموذجًا واضح الإجراءات، يجمع حماية الأثر، واحترام المواطن، وسرعة بحث المكافأة، وشرح الحقوق والالتزامات. مصر التي تستعيد شواهد تاريخها من باطن الأرض تحتاج كذلك إلى ترسيخ الثقة فوقها. وحين يطمئن الفلاح إلى أن أمانته ستُقابل بالإنصاف، يصبح شريكًا في صون الحضارة، وتتحول مصادفة صغيرة في أرضه إلى مكسب كبير للوطن.

 

بقلم: د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بجامعة المنيا، وعضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى