الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (35): متحف المتروبوليتان ….جوهرة نيويورك وحاضنة الآثار المصرية
بعد جولتنا في أهم متاحف أوروبا، في الحلقات السابقة من سلسلة المقالات عن تهريب الآثار المصرية، التي كانت أول من نزح الآثار المصرية وهربها إلى الخارج، آن الأوان لعبور الأطلسي لنشاهد القطع المصرية التي “هاجرت” غربًا. نتوقف اليوم عند متحف المتروبوليتان للفنون (Metropolitan Museum of Art) في نيويورك، والذي تأسس عام 1870م، ويُعد من أشهر وأضخم المتاحف العالمية، إذ يضم آثارًا من مختلف الحضارات البشرية، وعلى رأسها المصرية.
يمتد المتحف على مساحة تفوق مليوني قدم مربع، ويضم أكثر من 3 ملايين قطعة فنية وأثرية. وفي عام 2023م استقبل أكثر من 5.36 مليون زائر، ما يجعله المتحف الأكثر زيارة في أمريكا، والرابع عالميًا.
أقسام متعددة وحضور مصري طاغٍ:
ينقسم المتحف إلى 17 قسمًا، منها جناح خاص بفن الشرق الأدنى القديم، وآخر بالفن البدائي لأفريقيا والأميركتين، إضافة إلى قاعة للفن الآسيوي القديم، وجناح يعكس تطور الأزياء عبر التاريخ. غير أن أكثر ما يلفت الأنظار هو الجناح المخصص للفن المصري القديم، والذي يضم روائع الحضارة المصرية ويعرضها في 40 صالة.
الفن المصري يتربع على العرش:
يضم المتحف نحو 26 ألف قطعة مصرية، تمتد من العصر الحجري القديم حتى العصر الروماني. وتبدأ الجولة في القسم المصري بقاعة كبرى ينتصب فيها تمثال ضخم للملك أمنحتب الثاني، سابع ملوك الأسرة الثامنة عشرة.
رغم أن معظم المقتنيات جاءت من مجموعات خاصة، إلا أن ما يقرب من نصفها اكتُشف أثناء الحفريات التي أجراها المتحف في مصر بين عامي 1906م و1941م. ومن أبرز القطع:
- 13 نموذجًا خشبيًا لحاملي القرابين، اكتُشفت في العساسيف بطيبة الغربية عام 1920م، وتمثل الحياة في أوائل الدولة الوسطى.
- تمثال صغير لفرس النهر، أصبح رمزًا غير رسمي للمتحف.
- كرسي “رينيسنب”، وكأس “اللوتيفورم”، ولوحة “مترنيخ”.
- معبد دندور الشهير، وهو الأكثر شعبية.
ويضم المتحف كذلك مجموعة نادرة من أدوات الصوان تعود إلى العصر الحجري القديم السفلي، اكتُشفت قرب وادي الملوك، تمثل مراحل التطور قبل التدوين الحضاري.
إنقاذ آثار النوبة… ورفض بيع المعابد:
برزت علاقة المتحف بالآثار المصرية خلال مشروع إنقاذ آثار النوبة، التي كانت مهددة بالغرق بسبب بناء السد العالي في الستينيات. ففي عام 1958م، زار السفير الأمريكي بالقاهرة بصحبة مدير متحف المتروبوليتان وزير الثقافة المصري، وعرضا شراء أحد معابد النوبة، وهو ما رفضه بشدة وزير الثقافة الدكتور ثروت عكاشة، واعتبره إهانة للتراث المصري.
في كتابه “إنسان العصر الحديث يمجد رمسيس”، يقول عكاشة:
“بادرني مدير المتحف قائلاً: جئت أشتري واحدًا أو اثنين من معابد النوبة… فسارعت بالقول معاتبًا: كان جديرًا بكم أن تبادروا بالعون العلمي لا بالشراء”.
هذا الموقف دفع الوزير إلى تنظيم حملة إنقاذ شاملة، بدعم من اليونسكو، واستمرت 4 سنوات، تم خلالها نقل 22 معبدًا، بمشاركة دول العالم.
معبد دندور… هدية مصر لأمريكا:
تقديرًا لمشاركة الولايات المتحدة في جهود الإنقاذ، أهدت مصر معبد دندور، الذي كان مهددًا بالغرق. وقد بُني هذا المعبد في العصر الروماني، ويقع جنوب أسوان، ويبلغ طوله 25 مترًا وارتفاعه 8 أمتار.
جرى تفكيك المعبد في 1963م، ونقل في 661 صندوقًا إلى نيويورك، حيث أُعيد تركيبه داخل جناح خاص بُني له في المتحف، وافتُتح رسميًا عام 1967م. اليوم، يقف المعبد شامخًا أمام زوار المتحف، بجوار بركة مائية وجدار زجاجي يطل على “سنترال بارك”، ليكون خير سفير للحضارة المصرية في الغرب.
مقتنيات أخرى بارزة بالمتحف:
من أبرز المعروضات المصرية في المتحف:
- تمثال الملك أمنحتب الثاني.
- لوحة نفرتيتي.
- مجموعة من التماثيل الجنائزية.
- أوانٍ فخارية ومجوهرات.
- لوحات جدارية.
- معبد دندور بالطبع، بجناحه الفخم.
جدل مستمر وشفافية متزايدة:
رغم جهود المتحف لتطوير سياساته، لا يزال محل جدل بشأن مشروعية بعض مقتنياته. ففي تحقيق أجراه الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ)، وُجد أن أكثر من 1,100 قطعة في المتحف لها صلة بتجار آثار مدانين.
من جهته، اتخذ المتحف خطوات لتعزيز الشفافية، وأعلن عن تعاون مع الدول الأصلية لاستعادة القطع المنهوبة، وقد أعاد بالفعل عددًا من القطع الأثرية إلى مصر.




