مقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (67)… حفناوي الشاعر… “رخصة رقم 1 وشهادة ميلاد تجارة الآثار”

في ظل أهرامات الجيزة، وبين دروب نزلة السمان التي تغلي بالتاريخ والسياحة، لا تزال تُروى الحكايات عن رجال عاشوا بين التراب والذهب، بين المجد والريبة، بين ما تحت الأرض وما فوقها.

ومن بين هؤلاء، يبرز اسم الحاج حفناوي إسماعيل الشاعر، الرجل الذي حصل على أول رخصة رسمية في تاريخ مصر للاتجار بالآثار، برقم (1)، بتاريخ 23 ديسمبر 1963م، وفي هذه المقالة من سلسلة امقالات التي تتحدث عن تهريب الآثار المصرية نروي قصة الحاج حفناوي.

لم يكن حفناوي لصًا يبيع في الظلام، ولا عالم آثار يحمل شهادات أوروبية، بل كان تاجرًا مرخّصًا من الدولة نفسها، يُسمح له ببيع “الآثار المكررة”، وهي القطع التي لم تكن فريدة في نظر إدارة الآثار آنذاك، لكنها كانت تحمل عبق التاريخ ومغزى الزمن في نظر الجميع.

من فتى النزلة إلى “أول تاجر رسمي للآثار

وُلد حفناوي الشاعر في منتصف القرن العشرين، في قلب نزلة السمان، البلدة التي تقع على بعد خطوات من سفح الهرم الأكبر، وتعيش يوميًا على وقع التاريخ والسياحة. كانت طفولته وسط قصص تُروى في المقاهي عن اكتشافات سحرية في جوف الجبل، وبين رجال يعرفون. نشأ وتعلّم من كبار السن أن تحت الرمال حكايات لا تُكتب. بدأ عمله كمرشد سياحي بسيط، يرافق السياح الأجانب، يساعدهم على ركوب الجمال، ويقص عليهم القصص الشعبية عن الفراعنة والكنوز واللعنات. الممرات السرية أكثر مما يعرفون شوارع القاهرة. هو كان مختلفًا: كان يسأل كثيرًا، يتأمل، ويصغي إلى الكبار حين يتحدثون عن “الكنز”، و”الفتحة”، و”السرة اللي تحت البيت”.

بسرعة، وجد طريقه إلى ما يُعرف في المنطقة بـ”السوق الصامت” – السوق الذي لا له عنوان، ولا إعلان، ولا تسعيرة، لكنه موجود… في كل حجر، وكل نقشة، وكل عين تعرف الفرق بين الأثري والمُقلّد.

لكن مع الوقت، أصبح اسمه معروفًا لدى الزائرين والباحثين، وحتى بين موظفي مصلحة الآثار. كان يتمتع بموهبة نادرة: يميز القطعة الأصلية من المزيفة، ويحفظ التفاصيل الدقيقة للفن المصري القديم، كأنه عاش بين صُنّاعها.

الآثار المكررة”… كنوز تباع برضا القانون:

رخصة الحاج حفناوي سمحت له ببيع “الآثار المكررة” — وهي القطع التي تتوفر منها نسخ متعددة في المخازن، مثل تماثيل الأوشبتي، أو أجزاء صغيرة من الفخار، أو تمائم جنائزية. كان يُفترض ألا تكون هذه القطع ذات “قيمة أثرية نادرة”، لكن الواقع أن كثيرًا منها خرج من مصر ليُعرض لاحقًا في متاحف كبرى حول العالم.
وكان حفناوي يعرض هذه القطع داخل متجره بنزلة السمان، بطريقة أنيقة ومدروسة. لا لافتة تُعلن أنه “تاجر آثار”، ولا دعاية، لكن من يعرف الطريق… يصل. كان حفناوي تاجرًا، لكن وصف “تاجر آثار” لا يفيه حقه؛ فقد كان أسطورة محلية، حارسًا لقطع لا يعرف قيمتها إلا من عاش في رائحة التراب وعاشق للذهب والرموز الفرعونية.

اخترنا لك : الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (63)… مصري بالاسم… إمبراطوري بالوظيفة: سيرة مصطفى آغا

 الزبائن من كل مكان… والقطع إلى كل مكان:

كان متجر الحاج حفناوي مقصدًا لعدد من: هواة جمع الآثار الأوروبيين- موظفين في السفارات الأجنبية – علماء آثار غربيين -وفود ثقافية وفنية زارت مصر خلال الستينات والسبعينات.

ويُقال إن بعض زواره كانوا يحملون توصيات من شخصيات مرموقة في الخارج، أو حتى من متاحف ترغب في اقتناء قطع أصلية بأسعار مناسبة. لم يكن الرجل مجرد بائع، بل أشبه بـ”أمين متحف شعبي”، يشرح، ويفسّر، ويعرض، بل ويختار لمن يبيع وما لا يبيعه.

خلال السبعينات والثمانينات، أصبحت شهرة حفناوي تمتد خارج النزلة، لتصل إلى عدد من هواة جمع الآثار في أوروبا، وسياح أثرياء من فرنسا وألمانيا، وحتى بعض العاملين في السفارات. كانوا يأتون بصمت، لا يدخلون المعابد ولا المتاحف، بل يدخلون منزله المتواضع… أو بالأدق، “غرفته الخاصة”، التي قيل إنها كانت تحتوي على قطع أصلية من العصور المصرية القديمة، مرتبة بدقة، ومخبأة في خزائن خشبية خلف ستائر عادية.

من الشرعية إلى الحظر: النهاية الرسمية لتجارة الآثار:

ظل الحاج حفناوي يعمل برخصته القانونية لعقدين من الزمن، إلى أن صدر قرار الدولة بإلغاء السماح ببيع الآثار نهائيًا عام 1983م، ضمن موجة من القوانين التي هدفت إلى حماية التراث المصري، بعد سنوات من التفريط والنهب المقنّن.

مع هذا الإلغاء، انتهت رسميًا صفحة تجارة الآثار “المرخّصة”، وأُغلقت المحال، وتحولت المجموعات الخاصة إلى أسرار محفوظة خلف الجدران. لكن اسم حفناوي بقي علامة فارقة: هو أول من مُنح ترخيصًا رسميًا لبيع آثار مصر… والأخير الذي احتفظ بصورة “التاجر الشريف” في أعين من عرفوه.

 بطل أم متهم؟ سؤال مؤجل

حتى اليوم، تختلف الروايات حول حفناوي الشاعر. البعض يرى فيه رائدًا سابقًا لعصره، عمل في النور، وباع ما كان يُسمح له به قانونًا، وساهم في حفظ الكثير من القطع من الضياع. وآخرون يرونه شريكًا في التفريط، استفاد من ضعف القوانين، ومرّر قطعًا كان يجب أن تبقى في مصر.

لكن الحقيقة المؤكدة أن حفناوي لم يكن مجهولًا، ولم يعمل في الخفاء، بل كان جزءًا من سياسة رسمية سمحت لسنوات طويلة بخروج الآثار من مصر بمباركة الدولة.

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (65).. موريس نحمان: تاجر “النوادر المصرية” في زمن الفوضى الأثرية

القانون يتأخر… والشبكة تتمدد

في التسعينات، شددت الدولة قبضتها على تجارة الآثار، وبدأت الحملات المكثفة على الحفر غير المشروع، وتهريب القطع. أُغلقت أبواب كثيرة، وهرب آخرون، لكن حفناوي ظل صامدًا. لم يُقبض عليه، ولم يُدان رسميًا في أي قضية تهريب آثار. ربما لأنه كان حذرًا، أو لأنه كان يعرف متى يصمت، ومتى يختفي، ومتى يعاود الظهور.

شبكته من “الحفّارين”، و”الوسطاء”، و”الزبائن الموثوقين”، كانت أقرب إلى خلايا نائمة، تنشط في موسم، وتختفي في موسم. ورغم أن التكنولوجيا تغيّرت، والرقابة زادت، إلا أن سُمعته لم تهتز، بل زاد الغموض حوله… مما منحه قدرًا من الهيبة.

من الجيزة إلى العالم:

خرجت من بين يديه عشرات القطع الأثرية، بعضها وصل إلى مزادات علنية في لندن وباريس وأبو ظبي، وبعضها اختفى في مجموعات خاصة لا يُعرف عنها شيء. ومن أشهر الروايات التي تتردد في أوساط نزلة السمان، أن أحد زبائنه عرض عليه شراء تمثال من العصر المتأخر بحجم راحة اليد مقابل مبلغ يعادل ثمن عمارة كاملة في الهرم، لكنه رفض لأنه “ما يستاهلش يتسافر… القطعة دي لازم تفضل هنا”.

هذا التناقض بين التاجر والـ”أمين على التراث” يُلخّص شخصية حفناوي. لم يكن يعتبر نفسه لصًا، بل يرى أن ما يفعله هو نوع من امتلاك الحق، لأن الدولة – في نظره – غائبة، والقانون لا يفهم قيمة ما تحت الأرض، والقطع القديمة تستحق أن يراها من يقدّرها، ولو في قصر أوربي.

الخاتمة: الذاكرة التي لا تذوب:

توفي الحاج حفناوي إسماعيل الشاعر منذ سنوات، ودفن في تراب الجيزة، ربما غير بعيد عن بعض الحفر التي خبأ فيها ما لا يُقال. لكن اسمه ما يزال يُذكر، في مقاهي نزلة السمان، وعلى لسان بعض الدلّالين الذين يتباهون بأنهم “تلامذته”. ولعل أعظم مفارقة في حياته أنه، رغم كل ما باع، لم يبع نفسه… ظلّ محتفظًا بصورة “الحاج”، رجل الوقار والجلابية، الذي يبتسم بهدوء، ويعرف كل حجر في الأرض… لكنه يتركك تتساءل: هل هذا مجرد حجر؟ أم قطعة من التاريخ؟

 

بقلم: د. قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)، عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى