الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (36): هيرميتاج روسيا: حين تهاجر التوابيت الفرعونية دون عودة
في الحلقة (36) من سلسة المقالات التي تتحدث عن تهريب الآثار المصرية نتناول متحف الإرميتاج (أو الهيرميتاج) في مدينة سان بطرسبرج الروسية، والذي يعد واحدًا من أضخم وأغنى المتاحف في العالم. أسسته الإمبراطورة كاترين الثانية عام 1764م، وأطلقت عليه اسم “أرميتاج” – وهي كلمة فرنسية تعني “الخلوة” أو “المكان المنعزل”. وقد بدأ كمجموعة بسيطة من المقتنيات، لينمو تدريجيًا على مدى القرون، حتى أصبح يمتد على مساحة 233 ألف متر مربع. افتُتح رسميًا عام 1852م على يد القيصر نيقولا الأول (Nicholas I ، 1796م – 1855م)، بجوار قصره الشتوي على نهر نيفا، في العاصمة القيصرية آنذاك.
ثراء وتنوع المحتوي:
يضم المتحف أكثر من ثلاثة ملايين عمل فني وتحفة أثرية وتاريخية، ما يجعله أحد أكبر المجموعات الفنية تنوعًا في العالم. وتشمل معروضاته فنونًا مصرية ويونانية ورومانية وأوروبية وآسيوية، إلى جانب فنون الشرق الأوسط، والفن الصيني والهندي والياباني والإسلامي، فضلاً عن قطع أثرية من العالم القديم.
يضم المتحف أيضًا أعمالًا لأساطين الفن العالمي مثل ليوناردو دا فينشي، مايكل أنجلو، كلود مونيه، فان جوخ وبيكاسو، كما يحمل الرقم القياسي العالمي لأكبر مجموعة لوحات فنية، وفقًا لموسوعة “جينيس”. كذلك، يضم تماثيل لأشهر النحاتين، ومجوهرات أثرية نادرة من شرق أوروبا وغرب آسيا، إلى جانب عشرات الأجنحة للآثار العالمية، أبرزها الجناح المصري الذي يحتوي على مجموعة نادرة من التوابيت والتحف الفرعونية.
تحفة معمارية:
يتألف الإرميتاج من خمسة قصور رئيسية بُنيت على مراحل مختلفة، أبرزها القصر الشتوي الذي أنشئ عام 1752م، وكان مقرًا للأباطرة الروس. وتشمل المجموعة أيضًا “الأرميتاج الصغير”، “الأرميتاج القديم”، “الأرميتاج الجديد”، ومسرح الإرميتاج الذي أُنشئ عام 1802م. كما للمتحف فروع في عدة مدن حول العالم منها أمستردام، لندن، لاس فيجاس وفيرارا الإيطالية.
يتميز المتحف بضخامته المعمارية وتنوع معروضاته، ويعد من أبرز المعالم السياحية في روسيا، ويستقطب نحو 5.3 مليون زائر سنويًا. يضم 350 قاعة عرض، تحتوي على أكثر من 15 ألف لوحة، و12 ألف تمثال، و600 ألف قطعة أثرية، ومليون قطعة من المسكوكات والأسلحة والميداليات القديمة، فضلاً عن آلاف الأيقونات المسيحية النادرة.
دوما المصريات تتربع:
من أبرز أقسام المتحف، قاعة المصريات التي أُنشئت عام 1852م، وتعرض ضمن قسم الفنون الشرقية نحو 7500 قطعة أثرية مصرية تعود إلى مختلف العصور، مما قبل الأسرات وحتى العصر الإسلامي. تقع هذه القاعة في الطابق الأرضي شرق قصر الشتاء، وتضم تماثيل لملوك وفراعنة مصريين من الجرانيت والبازلت، ولوحات جدارية ملونة تجسد الحياة اليومية والدينية، ومجوهرات قديمة من الذهب والعقيق واللازورد، وأدوات منزلية وزراعية، ومومياوات نادرة.
بدأت الإمبراطورية الروسية في جمع هذه الآثار خلال القرن التاسع عشر، في إطار سعيها لتكوين مجموعة عالمية. وتُعد المجموعة المصرية في الإرميتاج من أكثر المجموعات تنوعًا وتوثيقًا، وتوفر فرصة نادرة لدراسة الحضارة المصرية في سياق عالمي.
ميخائيل بتروفسكى وعائلته:

ومن الشخصيات المؤثرة في تعزيز حضور الحضارة المصرية بالمتحف، البروفيسور ميخائيل بتروفسكي، مدير الإرميتاج الحالي، وهو عالم مصريات بارز وعضو بأكاديميات العلوم والفنون الروسية، ويتقن اللغة العربية (والعامية المصرية) بطلاقة. وُلد عام 1944م، ويبلغ من العمر 80 عامًا. قضى عمره في دراسة تاريخ الشرق الأدنى، وله مؤلفات عديدة عن الحضارتين المصرية والإسلامية القديمة. تولّى إدارة المتحف منذ منتصف الثمانينيات، خلفًا لوالده بوريس بتروفسكي، المستشرق المعروف ومدير الإرميتاج الأسبق.
أسهمت هذه العائلة في إثراء القسم المصري بالمتحف علميًا وثقافيًا، إذ أجرت بعثات تنقيب أثري مهمة في المستوطنات القديمة، كان لها أثر بارز في توثيق العلاقات بين روسيا والعالم العربي. شارك ميخائيل في هذه البعثات إلى جانب زوجته عالمة الآثار الأرمنية هريپسيمه لادجيان، المتخصصة في حضارة الأورارتو.
يُعد متحف الإرميتاج اليوم صرحًا عالميًا يجمع بين الفن والتاريخ والعلم، ويُبرز أهمية الحوار الحضاري بين الثقافات. ومن المؤسف أن قسمًا مهمًا من الآثار المصرية فيه، شأنه شأن متاحف عالمية أخرى، وصل عبر طرق غير واضحة أو مشبوهة، مما يدعو إلى مراجعة ملفات تهريب الآثار واسترداد الممتلكات الثقافية.
دكتور قاسم زكى؛
أستاذ الوراثة – كلية الزراعة – جامعة المنيا
عضو اتحاد الأثريين المصريين – عضو اتحاد كتّاب مصر




