الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (60)… عصابة الغواصين وكنوز الإسكندرية الغارقة

في منتصف ديسمبر 2024م، فوجئت الجهات الأمنية المصرية بإعلان من وزارة الداخلية، يفيد بأن مغامرين مجهوليْ الهوية نفذا واحدة من أكثر جرائم تهريب الآثار المصرية غرابة في تاريخ الآثار البحرية. بحسب البيان الصحافي الرسمي، اللصوص ارتدوا بزّات الغوص، ودخلوا إلى عمق خليج أبي قير قبالة سواحل الإسكندرية، لينقبوا ويرتكبوا جريمة كاملة من النهب تحت الماء.
448 قطعة تُخطف في ليلة واحدة:
الأمر لم يكن تهريبًا عاديًا، بل قصة تتفوق على أفلام الإثارة، اللصوص لم يستهدفوا قطعة واحدة، بل عثروا على 448 قطعة أثرية، تشمل 305 عملات معدنية، 53 تمثالًا صغيرًا، 41 فأسًا، 20 قطعة برونزية، 14 كوبًا برونزيًا، 12 رمحًا، و3 رؤوس تماثيل. القطع المستخرجة تمثل حضارات يونانية ورومانية قديمة تعود إلى ما بين 2500–1600 سنة، وقد ظلت في بيئة مائية لقرون، مما منحها لونًا تركوازيًا جميلًا بفعل التأكسد.
غواصون متخصصون… ونهب احترافي:
الطريقة المستخدمة كانت متقنة ومحترفة إلى حد بعيد: حيث استخدم الجناة معدات غوص احترافيه، ليس قصد استخراج كنز بدائي، بل لتنفيذ عملية منظمة بقياسات مرتبة وبدقة عالية، وكأنهم فريق محترف من علماء الآثار. انتقل اللصوص إلى عمق البحر مرتين على الأقل، ضاربين عرض الحائط بأي رقابة بحرية أو مراقبة للمياه الإقليمية. الألوان التركوازية التي اكتسبتها القطع لم تُخفِ عمرها، بل كشفت للعلماء مدى القدم وعراقة الحضارات الغارقة في أعماق البحر.
القبض والتحقيق السريع:
لم تذهب هذه الجريمة الكبيرة بعيدًا: فقد شاهد مراقب ميناء قريب الجناة وهم يحملون تلك الغنائم نحو قاربٍ خشبي صغير، فاتصل بالأمن الوطني فورًا. بدأت فرق الأمن الوطني والأمن البحري التحرك، وتمكّنت من القبض على أحد اللصوص والبحث عن شريكه المفقود. استُرجعت جميع القطع المسروقة تقريبًا، والتهم الموجهة إلى اللصوص شملت الحفر والتنقيب الآثاري العشوائي والتهريب الدولي للقطع الثقافية.
قيمة القطع وأبعادها التاريخية:
هذه القطع لا تُقدّر بثمن من منظور علمي أو ثقافي: فالعملات المثقوبة رقميًا كانت تُستخدم في الأسواق القديمة، وتحمل رموزًا لأباطرة وحكام قدامى. التماثيل الصغيرة ربما كانت تقدم للآلهة في شعائر دينية أو كأعمال فنية عابرة. الرموز البحرية والنواخذ التي تظهر على هذه القطع تعكس أنشطة التجارة والرحلات البحرية التي ربطت الإسكندرية بالعالم القديم.
بمعنى آخر، فإن هذه الجريمة البحرية ليست مجرد تهريب بل محاولة فعالة لـ”سحب ذاكرة حضارة” من تحت المياه!
تداعيات القانون والعقوبات:
- اللصوص الغواصون قبض عليهم واعترفوا باستخدامهم زي الغوص لاستخراج القطع الأثرية من قاع البحر بغرض الاتجار، وواجهوا تهمًا خطيرة وفق تشريعات صارمة تمنع الحفر البحري غير المشروع والاتجار بالآثار، وتفرض عقوبات بالسجن الطويل والغرامة الضخمة، ويواجهون عقوبات قد تصل إلى 20 سنة حبسًا وغرامات مالية ضخمة..
- دفعت الواقعة وزارة الآثار والداخلية إلى تعزيز الرقابة البحرية عبر دوريات ليلية ومسيّرات على المياه الإقليمية، خاصة في المواقع المعروفة بوجود آثار بحرية محتملة.
الدروس المستفادة:
قضية سرقة أبي قير تضع أمامنا حقائق لا مفر منها:
- الغواصون كانوا محترفين، ما يعني إمكانية تجنيد مهندسين علماء آثار بحريين في تلك العمليات الحرة خوفًا من عقوبات.
- الرقابة ضعيفة للغاية في البحر، وتحتاج إلى كهرباء وأجهزة استشعار سونار، ورادارات بحرية خاصة، وأثناء غياب ذلك تظهر فجوة ضخمة يتم استغلالها.
- يجب إيجاد تعاون دولي، لأن التهريب البحري قد يمس قطاعات جغرافية تتجاوز حدود مصر باتجاه المتوسط والبحار المجاورة.
الخاتمة: دفاع عن عمق التاريخ:
في النهاية، نجح الطرفان – الأمني والثقافي – في منع جريمة هائلة من تنفيذها، واسترجاع 448 قطعة من الأعماق. لكن السؤال الأهم: هل كانت هذه القصة ؟
إنها تحذير مباشر بأن التهريب البحري بات أداة محكمة، وأن حافظوا على التراث يجب أن ينتقلوا إلى القلب المكاني حيث يُسلب – تحت السطح المائي. تحتاج مصر إلى منظومة قوية تجمع بين الدورية الأمنية، والتقنية، والتشريعات، والتنسيق البحري الدولي، خاصة في نقاط تُجاهلها أعين الجميع.
بقلم: د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة بكلية الزراعة – جامعة المنيا
عضو اتحاد الأثريين المصريين ، عضو اتحاد كتاب مصر، عضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين


