مقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (71)… كنوز ملوي بين النهب والاسترداد

لم يكن الخبر الذي خرج من المنيا عن ضبط 277 قطعة أثرية بحوزة أحد الأشخاص في نطاق مركز ملوي مجرد واقعة أمنية عابرة، ضمن عمليات تهريب الآثار المصرية، بل كان جرس إنذار جديدًا يذكّرنا بأن معركة مصر مع التنقيب غير المشروع والاتجار في الآثار لم تنتهِ، وأن الجبل والبيت والمخزن والطريق الخلفي ما تزال كلها مسارح محتملة لجريمة تستهدف قلب الهوية الوطنية. ووفق التغطيات المنشورة اليوم، فإن الواقعة جاءت بعد تحريات ومتابعات أمنية انتهت إلى ضبط المتهم وبحوزته هذا العدد الكبير من القطع، مع اتهامه بحيازتها بقصد الاتجار.

277 قطعة

في ظاهر الأمر، نحن أمام رقم: 277 قطعة. لكن في باطن الأمر نحن أمام سؤال أكبر بكثير: من أين جاءت هذه القطع؟ وكيف انتقلت من باطن الأرض أو من موضعها التاريخي إلى يد فرد واحد؟ وكم موقعًا أثريًا أو موضع دفن أو شواهد معمارية تعرضت للتجريف أو الكسر أو التشويه حتى تتجمع هذه الحصيلة في مكان واحد؟ إن القطعة الأثرية حين تُنتزع من سياقها الأصلي لا نفقدها وحدها، بل نفقد معها طبقتها الزمنية، وموقعها، وعلاقتها بما جاورها، والدلالة التي كان يمكن أن تضيفها إلى تاريخ مصر. ولهذا فإن أخطر ما في الجريمة ليس فقط محاولة البيع، بل قتل السياق قبل تهريب الشيء. والمواد المنشورة عن الواقعة تشير إلى أن التحريات نسبت إلى المتهم تخزين هذه القطع تمهيدًا للتصرف فيها وبيعها، بعد استخراجها من مناطق جبلية وعرة في محيط ملوي.

وملوي ليست اسمًا عابرًا في الجغرافيا الأثرية المصرية. فهذه البقعة من المنيا تقع في نطاق شديد الثراء حضاريًا، وتجاور أو تحتضن مواقع عريقة ارتبطت بتاريخ مصر القديمة والقبطية والإسلامية، كما أن المجال الأثري الأوسع في جنوب المنيا معروف تاريخيًا بحساسيته البالغة أمام الحفر الخلسة والتنقيب غير المشروع. وحين يظهر خبر عن ضبط هذا العدد الكبير في ملوي تحديدًا، فإن الحادثة لا تبدو مفصولة عن جغرافيا طالما أغرت الطامعين، لا لأنها أرض فقيرة، بل لأنها أرض غنية أكثر مما ينبغي. وهذا بالضبط ما يجعل المنيا، على اتساعها، في حاجة دائمة إلى يقظة مزدوجة: يقظة أمنية، ويقظة مجتمعية. أما الأولى فقد بدت واضحة في هذه القضية من خلال التحريات التي انتهت إلى الضبط، وأما الثانية فهي الواجب الأصعب والأطول عمرًا.

القطع أصلية جميعًا أم أن بينها ما يحتاج إلى فحص

إننا حين نقرأ مثل هذا الخبر قد ننشغل بما إذا كانت القطع أصلية جميعًا أم أن بينها ما يحتاج إلى فحص وتقييم من الجهات المختصة، وهذا أمر فني وقانوني مهم لا نزعم حسمه قبل تقارير الخبراء. لكن الثابت في مثل هذه الوقائع أن مجرد حيازة هذا الكم من القطع المنسوبة للأثرية خارج الإطار الرسمي يفتح الباب على شبكة كاملة من الأسئلة: هل هناك حفّارون؟ وهل ثمة وسطاء؟ ومن الذي كان سيشتري؟ وأين كانت الوجهة النهائية؟ داخل مصر أم خارجها؟ إن تهريب الآثار لا يبدأ من المطار ولا من الميناء، بل يبدأ من الفأس الأولى، ومن الحفرة الأولى، ومن الهمسة الأولى التي تقول لصاحبها إن في باطن الأرض ثروة يمكن تحويلها إلى مال سريع. وحين تصل الأمور إلى مرحلة تجميع مئات القطع في يد شخص واحد، فنحن غالبًا لا نكون أمام فعل فردي بسيط، بل أمام حلقة داخل سلسلة.

ولعل ما يضاعف مرارة المشهد أن هذا النوع من الجرائم لا يسرق الماضي وحده، بل يسرق أيضًا المستقبل. فكل قطعة تُنتزع من موضعها الصحيح تحرم الباحث من قراءة جديدة، وتحرم المتحف من مقتنى مشروع، وتحرم القرية أو المدينة من عنصر كان يمكن أن يضاف إلى سرديتها المحلية. وهذا مهم جدًا في محافظة مثل المنيا، التي تملك من التنوع التاريخي ما يؤهلها لأن تكون أحد أهم الأقاليم الثقافية في مصر، لا مجرد ساحة تتكرر فيها أخبار الضبط والحفر السري. إن خسارة الآثار هنا ليست خسارة حجارة أو تماثيل أو شواهد فحسب، بل خسارة فرصة تنموية وثقافية وسياحية وتعليمية. والقطع التي أعلنت الجهات الأمنية ضبطها اليوم ربما كانت، في عالم أكثر انتظامًا، موادَّ دراسة أو عرض أو توثيق، لا موضوعًا لمحضر وتحقيق.

كنوز ملوي

وليس خافيًا أن بعض الأخبار المصاحبة للواقعة استخدمت عناوين مثيرة مثل “كنوز ملوي” أو “حوت الآثار”، وهي عناوين صحفية مفهومة من زاوية الجذب، لكنها تكشف أيضًا شيئًا مهمًا في وعينا العام: أن المجتمع ما زال ينظر إلى الأثر أحيانًا بوصفه غنيمة قبل أن ينظر إليه بوصفه وثيقة حضارية. وهنا تكمن المشكلة الثقافية الأخطر. فحين تتحول القطعة الأثرية في المخيال الشعبي إلى “كنز” بالمعنى المالي الخالص، يصبح الطريق ممهدًا أخلاقيًا أمام الحفر غير المشروع. أما إذا استقر في الوعي أن الأثر صفحة من كتاب الوطن، وأن اقتلاعه من موضعه جريمة في حق المعرفة قبل أن يكون جريمة في حق القانون، فإننا نكون قد اقتربنا من تحصين المجتمع نفسه ضد الفكرة من أصلها.

اخترنا لك : الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (69)… قصر أندراوس في الأقصر… حين تفتح البيوت القديمة أسئلة التراث

الحقيقة التي ينبغي أن تقال بوضوح هي أن كثيرًا من جرائم الآثار لا تُرتكب بدافع الاحتياج وحده، بل بدافع الطمع المنظم أيضًا. وبعض ما ورد في التغطيات الصحفية عن الواقعة يشير إلى أن المتهم كان يعتزم عرض القطع على “كبار المهربين” لتحقيق ثروة كبيرة. وقد تظل بعض تفاصيل هذا المسار رهن التحقيق، لكن الفكرة في حد ذاتها معروفة في مثل هذه الجرائم: هناك من يحفر، وهناك من يجمع، وهناك من يموّه، وهناك من ينقل، وهناك من يشتري وهو يعرف، أو يريد ألا يعرف، تاريخ ما في يده. وهنا لا تعود المشكلة مشكلة فرد واحد فقط، بل مشكلة شبكة تستفيد من صمت الناس، ومن جهل البعض، ومن هشاشة الردع الاجتماعي.

ومن الواجب، في المقابل، أن يُقال أيضًا إن مثل هذه الضبطيات تكشف جانبًا إيجابيًا لا ينبغي تجاهله، وهو حضور اليقظة الأمنية. فالمعلومات المنشورة نسبت الضبط إلى جهود مشتركة وتحريات قادت إلى اكتشاف الواقعة قبل إتمام الصفقة المزعومة. وهذه نقطة لها أهميتها؛ لأن نجاح الضبط قبل خروج القطع من دائرة السيطرة المحلية أفضل كثيرًا من ملاحقتها بعد اختفائها في دهاليز السوق السوداء أو بعد تهريبها خارج الحدود. إن استرداد الأثر بعد تهريبه ممكن أحيانًا، لكنه بالغ التعقيد، ويحتاج سنوات من النزاع القانوني والجهد الدبلوماسي والبحث التوثيقي. لذلك فإن القبض المبكر، على قسوته في كشف حجم الجريمة، يظل أقل كلفة من مطاردة المجهول بعد فوات الأوان.

الأمن وحده لا يكفي

غير أن الأمن وحده لا يكفي. فحماية الآثار، خصوصًا في محافظات غنية مثل المنيا، تحتاج إلى منظومة أوسع: توعية مدرسية، وخطاب ديني وثقافي يؤثم الحفر السري، ورقابة محلية، وسرعة في الإبلاغ، وتوثيق رقمي، ومتابعة للمناطق الحساسة، وتجفيف لمنابع الشراء غير المشروع. لأن الحفار السري لا يعمل في الفراغ، بل يعمل حين يعتقد أن هناك مشترٍ في نهاية النفق. وإذا لم يُحاصر الطلب كما يُحاصر العرض، ستظل الحفرة تُغلق في موضع وتُفتح في موضع آخر. ومصر لا تحتاج فقط إلى القبض على المهرّب، بل إلى إفشال السوق التي تنتظره.

ثم إن في الحادثة درسًا منياويًا خاصًا. فالمنيا ليست مجرد محافظة شهدت واقعة ضبط جديدة، بل هي محافظة ينبغي أن تكون في صدارة مشروع وطني يجعل من التراث المحلي عنصر فخر وحماية ومشاركة شعبية. فحين يشعر أهل المكان أن الأثر جزء من اسمهم وسمعتهم ومستقبل أبنائهم، لا مجرد “دفين” قد يبيعونه في ساعة ضيق، تتغير المعادلة كلها. هنا فقط تصبح مقاومة التهريب فعلًا مجتمعيًا، لا وظيفة شرطية فحسب. وملوي، بما تحمله من ثقل تاريخي، تستحق أن تُذكر في الأخبار بوصفها مدينة حضارة، لا بوصفها ساحة متكررة لجرائم النهب الصامت.

في النهاية، لا ينبغي أن نتعامل مع خبر 277 قطعة أثرية باعتباره نجاح ضبطية فقط، ولا باعتباره فضيحة محلية فقط، بل باعتباره مرآة. مرآة تكشف لنا أن معركتنا مع تهريب الآثار ما تزال مفتوحة، وأن الوعي العام لا يزال يحتاج إلى ترميم، وأن كل قطعة تُنقذ من البيع اليوم هي شاهد على قطع أخرى ربما ضاعت بالأمس أو تنتظر المصير نفسه غدًا. إن “كنوز ملوي” ليست كنوز شخص، ولا غنيمة مغامر، ولا صفقة سمسار؛ إنها شظايا من تاريخ مصر، عادت هذه المرة إلى قبضة الدولة قبل أن تختفي في الظلام. وذلك خبر جيد، نعم، لكنه خبر يجب أن يوقظنا أكثر مما يطمئننا.

دكتور قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا بالقاهرة، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كُتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى