الدكتور قاسم زكي يكتب… من سد النهضة إلى سلسلة السدود… النيل الأزرق أمام تحولات كبرى

لم تكد أزمة سد النهضة تغادر دائرة القلق المصري حتى عادت الأنباء عن اعتزام إثيوبيا إنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، لتفتح بابًا أوسع من التساؤلات: هل تتحول الهضبة الإثيوبية إلى سلسلة متكاملة من الخزانات والسدود القادرة على التحكم في معظم مياه النيل الأزرق؟ وهل نحن أمام مشروعات منفصلة لتوليد الكهرباء، أم أمام استراتيجية مائية شاملة تتجاوز سد النهضة في حجمها وتأثيراتها؟
أفاد تقرير نشرته قناة «العربية» بأن الخطط الإثيوبية تتعلق بثلاثة سدود تُعرف بأسماء «كارادوبي» Karadobi و«ماندايا» Mandaya و«بيكو آبو» Beko Abo، وجميعها تقع على مجرى النيل الأزرق أو روافده داخل إثيوبيا. وأثارت التقارير غضبًا وقلقًا في الأوساط المصرية، خاصة مع استمرار غياب الاتفاق القانوني الملزم الذي ينظم تشغيل سد النهضة والتعامل مع سنوات الجفاف والجفاف الممتد.
سد النهضة لم يعد القضية الوحيدة
ظل النقاش طوال أكثر من عقد مركزًا على سد النهضة، الذي بدأت إثيوبيا إنشاءه عام 2011، وتبلغ سعته التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب، بينما تصل قدرته المركبة لتوليد الكهرباء إلى نحو 5150 ميجاوات. وقد افتُتح رسميًا في سبتمبر 2025 باعتباره أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا. ومع ذلك، لم تتوصل الدول الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد التشغيل في مختلف الظروف الهيدرولوجية.
لكن ظهور خطط لسدود إضافية بعد الإنتهاء من سد النهضة يغير طبيعة القضية. فالحديث لم يعد عن خزان واحد يمكن التفاوض على قواعد تشغيله، بل عن سلسلة من السدود المتتابعة، أو ما يُعرف هندسيًا بالنظام التعاقبي Cascade System. وفي هذا النظام يمكن إعادة تخزين المياه وإطلاقها من سد إلى آخر، بما يمنح الدولة المشغلة قدرة كبيرة على التحكم في توقيت التدفقات وكمياتها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل متر مكعب يُخزن سيُفقد نهائيًا؛ فمياه مشروعات توليد الكهرباء تمر عادة عبر التوربينات ثم تواصل طريقها إلى دول المصب. لكن الخطر يكمن في حجم التخزين الأولي، وفواقد البخر والتسرب، والتوسع المحتمل في الري، والأهم من ذلك غياب قواعد مشتركة وملزمة لتنسيق تشغيل السدود خلال سنوات الفيضان المنخفض.

هل السدود الثلاثة حقيقة مؤكدة؟
تتطلب الدقة التمييز بين وجود دراسات وخطط قديمة لهذه المواقع وبين بدء الإنشاء الفعلي. فالسدود الثلاثة ليست أسماء ظهرت للمرة الأولى عام 2026، وإنما وردت منذ سنوات ضمن الدراسات الإثيوبية والدولية الخاصة بإمكانات توليد الكهرباء في حوض النيل الأزرق.
ولهذا فإن نشر تقارير عن طرح مناقصات أو الاقتراب من التنفيذ يمثل تطورًا يستحق المتابعة، لكنه لا يساوي وحده تأكيد بدء البناء. كما أن الأرقام المتداولة عن السعات التخزينية الإجمالية، والتي تصل في بعض التقارير إلى قرابة 200 مليار متر مكعب، ينبغي التعامل معها باعتبارها تقديرات أولية حتى تصدر التصميمات النهائية والبيانات الرسمية ودراسات التأثير البيئي العابرة للحدود.
ومع ذلك، فإن مجرد إعداد مشروعات بهذا الحجم دون تشاور مسبق مع دولتي المصب يثير قلقًا مشروعًا؛ لأن الأثر المائي لا يُقاس بكل سد منفردًا، بل بالأثر التراكمي لجميع المنشآت المقامة على النهر.
لماذا يقلق المصريون؟
تعتمد مصر على نهر النيل في تلبية الغالبية العظمى من احتياجاتها المائية، في وقت يتزايد فيه عدد السكان وتتراجع حصة الفرد إلى ما دون حد الفقر المائي. كما تواجه البلاد ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات البخر، ومحدودية الأمطار، والضغط المتزايد على الزراعة وإنتاج الغذاء.
ومن هنا لا تُعد مياه النيل بالنسبة إلى مصر موردًا تكميليًا يمكن الاستعاضة عنه بسهولة، بل هي عصب الحياة والزراعة والاستقرار الاجتماعي. وأي خفض طويل الأمد في التدفقات قد يؤدي إلى تراجع مساحة الأراضي المزروعة، وزيادة ملوحة التربة في شمال الدلتا، والضغط على المياه الجوفية، وارتفاع فاتورة استيراد الغذاء.
ويزداد الخطر بصورة خاصة في سنوات الجفاف الممتد. فإذا تزامن انخفاض الأمطار على الهضبة الإثيوبية مع رغبة عدة سدود في الاحتفاظ بالمياه للحفاظ على مستويات تشغيل التوربينات، فقد تتحمل دولتا المصب الجزء الأكبر من العجز، ما لم توجد قواعد واضحة ومسبقة لتقاسم أعباء الجفاف.

التنمية حق… لكنها ليست حقًا منفردًا
من حق إثيوبيا أن تسعى إلى التنمية وتوسيع إنتاج الكهرباء وتحسين مستوى معيشة شعبها، كما أن الطاقة الكهرومائية يمكن أن تدعم التصنيع وتصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة. لكن هذا الحق لا ينفصل عن التزام قانوني وأخلاقي أساسي: ألا تُقام التنمية في دولة على حساب الأمن المائي والغذائي لشعوب الدول الأخرى.
فالأنهار الدولية ليست ملكًا حصريًا للدولة التي تنبع منها؛ إنها موارد طبيعية مشتركة، تحكمها مبادئ الانتفاع المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، وتبادل البيانات والإخطار المسبق بالمشروعات التي قد تؤثر في الدول الأخرى.
وكان إعلان المبادئ الذي وقعته مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015 قد أكد التعاون وعدم الإضرار وتبادل المعلومات وإجراء الدراسات اللازمة. لكن الأزمة كشفت أن المبادئ العامة، مهما كانت أهميتها، لا تكفي من دون آلية تنفيذ واتفاق تفصيلي ملزم.
المطلوب رؤية مصرية شاملة
لا ينبغي التعامل مع كل إعلان إثيوبي جديد برد فعل إعلامي مؤقت، بل يجب بناء استراتيجية طويلة المدى تتعامل مع احتمال إنشاء منظومة كاملة من السدود. وتبدأ هذه الاستراتيجية بالحصول على معلومات فنية دقيقة عن مواقع السدود وسعاتها وأهدافها وبرامج تنفيذها، ثم إجراء نماذج علمية مستقلة لدراسة آثارها مجتمعة في حالات الفيضان المتوسط والجفاف والجفاف الممتد.
ويجب أن يستمر التحرك الدبلوماسي والقانوني لإقرار مبدأ الإخطار المسبق ورفض الإجراءات الأحادية، بالتوازي مع توثيق الأضرار المحتملة أمام المؤسسات الأفريقية والدولية. كما تحتاج مصر إلى تعميق تعاونها التنموي مع دول حوض النيل، ليس بمنطق الصراع، بل بمنطق المصالح المشتركة في الكهرباء والزراعة ومقاومة التغير المناخي.
وفي الداخل، تظل زيادة كفاءة الري، وإعادة استخدام المياه، وتحديث التراكيب المحصولية، والحد من التلوث والتعديات، والتوسع المدروس في التحلية، إجراءات ضرورية لمواجهة تحديات سد النهضة وغيرها من السدود. لكنها ليست بديلًا عن حماية حقوق مصر في النيل؛ فترشيد استخدام المورد لا يعني التنازل عنه.
النيل يحتاج إلى التعاون لا فرض الأمر الواقع
تكشف أزمة سد النهضة والسدود الجديدة أن قضية مياه النيل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا. فإذا أصبح سد النهضة أول حلقة في سلسلة ضخمة من الخزانات، فإن أي اتفاق مستقبلي يقتصر عليه وحده سيكون ناقصًا. المطلوب إطار شامل يحكم كل المنشآت الكبرى على النيل الأزرق، ويضمن تبادل البيانات والتشغيل المنسق وتقاسم أعباء الجفاف.
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد السدود وحده، وإنما بقدرتها على تحسين حياة البشر من دون تهديد حياة الآخرين. والنيل الذي ربط شعوب الحوض منذ آلاف السنين يستطيع أن يكون أساسًا للتعاون وتبادل الطاقة وتحقيق الأمن الغذائي، بشرط أن تحل الشفافية والقانون محل المفاجآت والإجراءات المنفردة. أما تحويله إلى سلسلة من الخزانات التي تديرها دولة واحدة بلا اتفاق ملزم، فلن يصنع تنمية مستقرة، بل سيؤسس لأزمة ممتدة تمس حاضر المنطقة ومستقبلها.





