الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (٨٥)… الجانب المظلم من الإنترنت (حيث تُباع توابيت مصرية بلا حسيب ولا رقيب)

في عصر الرقمنة المتسارعة، لم تعد الجريمة حكرًا على الأزقة المظلمة أو العصابات التقليدية. اليوم، تُمارس أخطر أشكال التهريب عبر “أنظف” الوسائط: الإنترنت. لكن ليس الإنترنت الذي نعرفه كل يوم، بل “الجانب المظلم” منه، حيث تُعقد صفقات تهريب السلاح، والاتجار بالبشر، وبيع الآثار… ومنها توابيت وتمائم مصرية أصلية.
في هذه البقعة الرقمية المعتمة، لا وجود لرقابة دولية، ولا لتصاريح تصدير، ولا حتى لهوية المستخدم. فكل ما تحتاجه هو متصفح خاص، وعملة رقمية، وطرف ثالث لا يعرف ولا يسأل.
فكيف أصبحت آثار مصر – من تمائم صغيرة إلى توابيت كاملة – سلعة تباع على “الدارك ويب” بلا حسيب ولا رقيب؟
ما هو “الدارك ويب”؟
الدارك ويب (Dark Web) هو جزء خفي من الإنترنت، لا يمكن الوصول إليه عبر محركات البحث العادية مثلGoogle، بل يحتاج إلى برامج خاصة مثل Tor، ويُستخدم غالبًا لأغراض مشروعة (كالحفاظ على الخصوصية في الدول القمعية) لكنه في الوقت ذاته ملاذ للعصابات والمهربين.
في هذا الفضاء، لا توجد أسماء حقيقية، ولا عناوين بريدية، ولا حسابات بنكية، بل فقط مستخدمون بأسماء رمزية، وصفقات تُبرم باستخدام عملات رقمية مثل “بيتكوين“، و”مونيرو“، وغيرها، مما يجعل تتبعهم أشبه بمطاردة شبح.
آثار مصرية للبيع في الظلام!
في تقرير نشره مركز “Global Initiative” في 2023م، تضمن تحليلًا لعشرات الأسواق النشطة على الدارك ويب، وظهر فيه وجود عروض لبيع “قطع آثارية مصرية أصلية”، منها:
كل هذه العروض طُرحت دون أي إشراف قانوني، وتداولها مستخدمون من دول مختلفة، دون أن يُعرف المصدر الحقيقي أو الطرف البائع.
كيف تخرج هذه الآثار من مصر؟
من المعروف أن آلاف المواقع الآثرية المصرية، خاصة في صعيد مصر والدلتا، تعاني من ضعف الحراسة وغياب التأمين الكافي. وتُعد مناطق مثل المنيا وسوهاج والجيزة وأسيوط من أكثر المحافظات تعرضًا للحفر خلسة. وفي كثير من الحالات، يخرج اللصوص بالقطع الآثرية الأولية (تمائم، أجزاء من نقوش، وحتى توابيت مكسورة)، لتُنقل إلى مخازن في المدن، ومن ثم تُهرب خارج البلاد عبر:
بمجرد أن تصل القطعة إلى بلد أوروبي أو آسيوي، يتم تصويرها باحتراف، ورفعها على إحدى أسواق الدارك ويب، مرفقة بتفاصيل مغرية مثل: “قطعة نادرة – لم تُعرض في متاحف – من مجموعة خاصة“.
لماذا الدارك ويب خطر مضاعف؟
على خلاف مواقع المزادات العادية، فإن أسواق الداركويب لا تلتزم بأي قوانين دولية، ولا تتيح للحكومات تتبّع حركة القطع أو حتى التعرف على المستخدمين.
وإذا ما جرت صفقة، يُرسل المشتري عملة رقمية إلى “محفظة إلكترونية مجهولة”، ثم تُشحن القطعة عبر وسطاء يستخدمون طرائق تهريب غير تقليدية، مثل:
كيف ترد مصر؟ وهل هناك رصد فعلي؟
الحقيقة المؤلمة أن التعامل مع الدارك ويب يتطلب تقنيات متقدمة في التتبع الرقمي، وأغلب وزارات الثقافة أو الآثارليست مهيأة لهذا النوع من الرصد.
لكن، خلال الأعوام الماضية، تعاونت مصر مع الشرطة الدولية (الإنتربول) للكشف عن بعض شبكات التهريب التي استخدمت الإنترنت المظلم، منها قضية في 2021م تم خلالها القبض على وسيط كان يُنقل قطعًا مصرية من تركيا إلى المانيا عبر صفقات تمت على دارك ويب.
كما بدأت هيئة الآثارالمصرية في التعاون مع جامعات محلية وأجنبية لإنشاء “بنك بيانات رقمي” للقطع المفقودة، لكن هذا الجهد لا يزال في مراحله الأولى.
لدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (٨٤)… eBay ” إيباي ” بوابة مزدوجة لتجارة الآثار المصرية عبر الإنترنت
لماذا تُباع التوابيت تحديدًا؟
توابيت مصرية كاملة – أو أجزاء منها – تُعد من أكثر القطع المطلوبة في السوق السوداء الرقمية. لماذا؟ لأن:
في أحد المنتديات الخاصة، نشر مستخدم مجهول صورة لتابوت خشبي نصف مكسور، وكتب:
“هذا التابوت نُقل من مصر إلى تركيا في 2022م، ويُعرض الآن بسعر 50 ألف دولار. لا تُفوت الفرصة.”
ماذا يمكن فعله؟
في مواجهة هذا النوع من الجريمة المعقدة، لا بد من:
الختام: توابيت تُباع في الظلام… وذاكرة تُسرق في وضح النهار
أن يُباع تابوت فرعوني على الإنترنت المظلم، هو جريمة بحق حضارة، واستهانة بذاكرة شعب، وتحذير بأن تراثنا لم يعد يُسرق فقط تحت الأرض، بل أيضًا في أروقة رقمية صامتة لا يصلها صوت القانون.
علينا أن ندرك أن حماية الآثار لم تعد مهمة الحراسة على بوابات المتاحف فقط، بل صارت معركة رقمية، قانونية، وأخلاقية… تخاض على شاشات صغيرة، لكن خسارتها تعني فقدان قرون من التاريخ.
بقلم: د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين




