الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (91)…الآثار المصرية في خزائن الموضة العالمية
من أقراط المشاهير إلى قناع المومياء… حين يتحول التراث إلى سلعة للزينة
لم يعد تهريب الآثار المصرية، والاتجار في الآثار القديمة مقتصرًا على المزادات الكبرى أو الصفقات السرية التي تُعقد في الغرف المغلقة؛ فقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة صورة أكثر تعقيدًا وخطورة، تتمثل في تحويل القطع الأثرية إلى حُليّ ومقتنيات للزينة، وعرضها عبر المتاجر الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وأحيانًا استخدامها في أزياء المشاهير والمناسبات الفنية.
وقد أعاد جدل دولي حديث حول ارتداء قطع أثرية قديمة في صورة أقراط فاخرة طرح سؤال بالغ الأهمية: هل يجوز اختزال أثر يحمل ذاكرة شعب وحضارة في قطعة زينة شخصية، حتى لو ادعى مالكه أنه حصل عليه بطريقة قانونية؟
ويمس هذا السؤال مصر بصورة مباشرة؛ فالأسواق الدولية لا تزال تعرض تمائم وجعارين وأقنعة مومياوات وخرزًا جنائزيًّا وقطعًا من الحلي المصرية القديمة، بعضها بمبالغ متواضعة لا تتناسب إطلاقًا مع قيمتها التاريخية. وهكذا تصبح الحضارة، في بعض الأسواق، مجرد «خامة» يعاد تشكيلها لتناسب الموضة وأذواق الأثرياء.
من الأثر إلى الإكسسوار

في يوليو 2026، أثار ظهور الممثلة الأمريكية زندايا في لندن وهي ترتدي أقراطًا قيل إنها تضم صفائح ذهبية أثرية إيرانية قديمة، جدلًا واسعًا بين علماء الآثار والمدافعين عن التراث. وعلى الرغم من أن القضية لا تتعلق بآثار مصرية، فإنها كشفت اتجاهًا عالميًّا يهدد آثار جميع الحضارات: تحويل القطعة الأثرية إلى إكسسوار فاخر، ثم استخدام شهرة الفنان أو المصمم في منحها قيمة تجارية إضافية.
ولا تكمن المشكلة في هوية من يرتدي القطعة فحسب، وإنما في الرسالة التي تصل إلى الجمهور؛ إذ يبدو الأثر وكأنه سلعة فاخرة يمكن امتلاكها واستخدامها بحرية، لا شاهدًا تاريخيًّا يجب دراسته وصونه وعرضه في سياقه الحضاري.
والأخطر أن هذا الاستخدام قد يطمس أصل القطعة وتاريخ انتقالها. فبعد تفكيك عقد أثري أو فصل خرزة عن قناع مومياء أو تثبيت تميمة داخل قطعة مجوهرات حديثة، يصبح إثبات مصدرها ومكان اكتشافها أكثر صعوبة، وربما يستحيل ربطها بالسياق الأثري الذي خرجت منه.
قناع مومياء للبيع على الإنترنت

أشارت تقارير صحفية حديثة إلى عرض قناع مومياء مصري مصنوع من الخرز، يرجع تاريخه إلى الفترة بين القرنين السابع والرابع قبل الميلاد تقريبًا، لدى أحد تجار الآثار على الإنترنت. وبصرف النظر عن قانونية حيازة القطعة أو تاريخ خروجها من مصر، فإن مجرد وجود قناع جنائزي مصري في متجر إلكتروني يفتح الباب أمام أسئلة لا يجوز تجاهلها.
أين اكتُشف هذا القناع؟ وإلى أي مقبرة كان ينتمي؟ ومن كان صاحبه؟ ومتى غادر مصر؟ وهل توجد وثائق رسمية تثبت سلسلة ملكيته منذ لحظة العثور عليه؟ وهل خضع لفحص يؤكد أصالته وعدم اقتطاعه حديثًا من مومياء أو مجموعة جنائزية متكاملة؟
إن عبارة «من مجموعة أوروبية قديمة» التي تتكرر في بعض إعلانات البيع ليست وثيقة كافية لإثبات الملكية المشروعة. فالمطلوب سجل واضح ومتصل يحدد أسماء المالكين السابقين، وتواريخ انتقال القطعة، وتصاريح التصدير والاستيراد، وصورها القديمة، وفواتير بيعها أو إهدائها.
ومن دون ذلك تبقى هناك فجوة قد تختبئ داخلها أعمال تنقيب غير مشروع أو سرقة من مخزن أو تهريب عبر الحدود.
لماذا تمثل القطع الصغيرة خطرًا أكبر؟
تركز وسائل الإعلام عادة على التوابيت والتماثيل الضخمة، لكن القطع الصغيرة قد تكون أكثر عرضة للتهريب. فالتمائم والعملات والجعارين والخرز والبرديات الصغيرة وأجزاء الحلي يسهل إخفاؤها داخل الحقائب أو الشحنات البريدية، كما يمكن تقديمها للجمارك باعتبارها هدايا أو نسخًا مقلدة أو أدوات زينة حديثة.
وقد يلجأ بعض التجار إلى تفكيك القطعة الأثرية المركبة؛ فيتحول العقد القديم إلى عشرات الخرزات، وتباع كل خرزة منفردة. وبهذه الطريقة تختفي هوية القطعة الأصلية، وتتوزع أجزاؤها بين عدد من المشترين والدول، ويصبح استردادها وإعادة تجميعها شبه مستحيلين.
إن قيمة الأثر لا تكمن فقط في الذهب أو الحجر أو الخرز الذي صُنع منه، وإنما في سياقه. فالتميمة التي عُثر عليها فوق صدر مومياء تقدم معلومات عن المعتقدات والطقوس الجنائزية، أما بعد نزعها من موضعها وتحويلها إلى قلادة عصرية، فإنها تفقد قدرًا كبيرًا من دلالتها العلمية.
الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (89)…ألوان مصرية تحت مجاهر المتاحف الأجنبية
المنصات الرقمية سوق بلا حدود
أتاحت التجارة الإلكترونية لتاجر صغير أن يصل إلى مشترين في عشرات الدول خلال ساعات. ولم يعد المهرّب مضطرًا إلى الانتظار من أجل مزاد عالمي؛ إذ يمكنه تصوير القطعة وعرضها تحت مسميات مراوغة، ثم الاتفاق مع المشتري عبر رسالة خاصة وشحنها في طرد صغير.
كما تساعد الصور المعدلة والبيانات الناقصة على إخفاء حقيقة القطعة. وقد يكتب البائع أنها «على الطراز المصري» أو «من مجموعة خاصة» من دون ذكر تاريخ خروجها من مصر. وبعد تكرار عمليات البيع، تظهر فواتير حديثة توحي بوجود سجل ملكية قانوني، بينما تظل الحلقة الأولى مجهولة.
وهنا يجب ألا تقتصر مسؤولية المنصات على حذف الإعلان بعد إتمام البيع؛ بل ينبغي إلزام البائع قبل النشر بتقديم وثائق المنشأ والملكية والتصدير القانوني. كما يلزم الاحتفاظ ببيانات الإعلانات المحذوفة، لأنها قد تمثل دليلًا في تحقيقات لاحقة.
هل تكفي الملكية القانونية؟
قد يمتلك شخص قطعة أثرية وفقًا لقانون الدولة التي يقيم فيها، لكن ذلك لا يحسم دائمًا الجانب الأخلاقي. فهناك قطع غادرت بلدانها في عصور الاستعمار، أو خلال فترات كانت قوانين الحماية فيها ضعيفة، أو نتيجة تقسيم الاكتشافات بين بعثات التنقيب والسلطات المحلية.
ولذلك ينبغي التمييز بين ورقة بيع حديثة وبين «المصدر المشروع». فاتورة صادرة عام 2024 لا تثبت بالضرورة كيف خرجت القطعة من مصر قبل ذلك بعقود. وكلما كانت سلسلة الملكية غامضة، وجب على المتحف أو المصمم أو المشتري الامتناع عن اقتنائها حتى يُحسم أصلها.
كما أن تحويل أثر جنائزي إلى زينة يحمل إشكالًا إنسانيًّا؛ لأن بعض هذه القطع كانت جزءًا من جسد المتوفى أو غطاء موميائه أو طقوس دفنه، وليست مواد خامًا صنعت لتزيين المشاهير بعد آلاف السنين.
ما الذي ينبغي على مصر فعله؟
تحتاج المواجهة إلى إنشاء مرصد رقمي دائم يتابع المزادات والمتاجر الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي بلغات متعددة، ويستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لمقارنة الصور المعروضة بسجلات المتاحف والمخازن ومحاضر السرقات.
كما ينبغي إعداد قاعدة بيانات مصورة للقطع المصرية المفقودة، وتدريب وحدات الآثار والجمارك على تتبع القطع الصغيرة، والتعاون مع الإنتربول واليونسكو والسلطات القضائية الأجنبية. ومن الضروري أيضًا مطالبة دور الأزياء والمشاهير بالكشف عن مصدر أي قطعة أثرية تُستخدم في تصميماتهم.
ولا تقل التوعية أهمية عن الملاحقة القانونية؛ فالمشتري الذي يقتني تميمة مجهولة المصدر قد يظن أنه ينقذها، بينما يمنح أمواله لسوق تشجع النهب والتنقيب السري.
التراث ليس موضة عابرة
حين تتحول قطعة أثرية إلى قرط أو خاتم أو زينة توضع حول العنق، فإن الخطر لا يقتصر على تغير استخدامها؛ بل يمتد إلى محو قصتها وفصلها عن أصحابها ومكانها الأصلي. وقد تلمع القطعة تحت أضواء الكاميرات، لكنها تفقد في اللحظة نفسها جانبًا من نور المعرفة الذي حملته عبر القرون.
إن الحضارة المصرية ليست مخزنًا مفتوحًا لمصممي الحلي وتجار الرفاهية. وكل قطعة مصرية، مهما صغر حجمها، صفحة من تاريخ البلاد. ومكانها الطبيعي متحف أو مؤسسة علمية تحميها وتفسرها للجمهور، لا خزانة خاصة ولا أذن مشهورة ولا إعلان بيع يختفي بمجرد وصول الثمن.
ويبدأ وقف هذا النوع الجديد من التهريب بسؤال بسيط يجب أن يطرحه الجميع قبل الشراء أو العرض أو الارتداء: من أين جاءت هذه القطعة، وأين الوثيقة التي تثبت قصتها؟
المرجع العلمي:
- تقرير الجدل حول تحويل الآثار إلى حُلي وبيع قناع مومياء مصري.
- اتفاقية اليونسكو لعام 1970 لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.



