لم تكن «أسرو» قطعة أثرية صامتة، ولا تمثالًا حجريًا صنعه فنان مجهول، بل كانت سيدة مصرية عاشت في طيبة، الأقصر حاليًا، قبل نحو 2700 عام، وكان لها اسم وأسرة ومكانة اجتماعية وحياة كاملة انتهت بطقوس دفن أُريد لها أن تحمي جسدها وخصوصيتها إلى الأبد. لكن جسدها غادر مصر في أوائل القرن التاسع عشر، ضمن الحملات الممنهجة لتهريب الآثار المصرية ووصل إلى مدينة مانشستر البريطانية، حيث فُكّت لفائفه أمام الجمهور في أبريل 1825، وظل معروضًا بصورة شبه متواصلة قرابة قرنين.
وفي سبتمبر 2026 اتخذ متحف مانشستر خطوة طال انتظارها؛ إذ رفع جسد «أسرو» المحنط من العرض العام، وأعاده إلى تابوتها، معلنًا أن القرار يأتي احترامًا لكرامتها ولما يمكن استنتاجه من معتقداتها ورغبتها في ألا يبقى جسدها مكشوفًا أمام أنظار الزائرين.
القرار مهم، لكنه لا يمثل نهاية القصة. فإذا كان المتحف قد اعترف بأن «أسرو» إنسانة لها كرامة، فلماذا يظل جسدها بعيدًا عن موطنه الأصلي؟ وإذا لم تعد مادة للفرجة، فما المبرر الأخلاقي لاستمرار احتجازها داخل مخازن متحف أجنبي بدلًا من إعادتها إلى مصر؟
من كانت «أسرو»؟

رعاشت «أسرو» في طيبة خلال العصر المتأخر، ويُرجح أن حياتها وقعت بين الأسرتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين، أي في القرنين السابع أو السادس قبل الميلاد تقريبًا. وتشير الدراسات إلى أنها توفيت في عمر يتراوح بين خمسين وستين عامًا، وهو عمر متقدم نسبيًا وفق مقاييس ذلك الزمن.
وتكشف النقوش المدونة على تابوتها أن والدتها كانت تُدعى «تادي آمون»، وأن والدها «با كوش» كان كاتبًا إداريًا في الإقليم الجنوبي. أما اسم «أسرو» فيحمل معنى يرتبط بالحماية وقوة الإلهة موت، زوجة آمون في العقيدة الطيبية.
خضع جسدها لدراسات وأشعة مقطعية متعددة، كشفت إصابتها بالتهاب المفاصل والبلهارسيا وبعض الطفيليات، إلى جانب تفاصيل غير مألوفة في عملية التحنيط، منها إزالة المخ عبر محجري العينين بدلًا من الطريق الأنفي المعتاد. وقدمت هذه الفحوص معلومات علمية مهمة، لكنها لا تبرر بالضرورة إبقاء جسدها مكشوفًا باستمرار أمام الجمهور.
قرنان من العرض والفرجة
حصل الشقيقان البريطانيان روبرت ووليام جارنيت على مومياء «أسرو» في مصر خلال أوائل القرن التاسع عشر، ثم نُقلت بحرًا إلى بريطانيا، وقُدمت سنة 1825 إلى جمعية مانشستر للتاريخ الطبيعي، التي شكّلت نواة متحف مانشستر لاحقًا.
في ذلك العصر تحولت المومياوات المصرية في أوروبا إلى مادة للفضول والتسلية. وكانت تُقام حفلات علنية لفك اللفائف يحضرها الأثرياء والأطباء والهواة، وكأن الجسد المصري القديم شيء غريب جاء ليُفتح ويُفحص أمام العيون، لا بقايا إنسان له معتقدات وحق في الاحترام.
وفُكّت لفائف «أسرو» في أبريل 1825، ثم عُرض جسدها خلال معظم السنوات المائتين التالية. وتعاقبت أجيال من الزوار على مشاهدتها والتقاط الصور بجوارها، بينما ظل صوت صاحبة الجسد غائبًا تمامًا.
هل خرجت قانونيًا؟
لا تتوافر، وفق المعلومات المنشورة، وثائق تفصيلية تحسم مكان شراء «أسرو» أو اسم من باعها والظروف الدقيقة لخروجها من مصر. ولذلك لا يصح الجزم بأنها هُرّبت بالمفهوم الجنائي المعاصر من دون وثائق قاطعة. لكن غياب الدليل على التهريب لا يجعل عملية انتقالها عادلة أو أخلاقية.
ففي أوائل القرن التاسع عشر كانت مصر ساحة مفتوحة أمام القناصل والتجار والمغامرين الأوروبيين. وكانت المومياوات والتوابيت تُشترى وتُنقل في ظل ضعف التشريعات الوطنية، وغياب الرقابة الأثرية المنظمة، وعدم تكافؤ القوة بين مصر والقوى الأوروبية.
وهنا يجب التمييز بين «القانوني» و«المشروع أخلاقيًا». فقد تسمح قوانين حقبة مضت بتصرفات نرفضها اليوم، لكن ذلك لا يحولها إلى ملكية أخلاقية أبدية. كما أن امتلاك المتحف لوثيقة تبرع بريطانية، إن وُجدت، يثبت انتقال المومياء بين أيدٍ بريطانية، لكنه لا يثبت بالضرورة شرعية إخراجها الأصلي من مصر.
الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (91)…الآثار المصرية في خزائن الموضة العالمية
لماذا أُخرجت من العرض الآن؟
بدأ متحف مانشستر عام 2025 مشاورات بشأن مستقبل عرض «أسرو»، شارك فيها زائرون وموظفون ومتخصصون وممثلون عن مجتمعات مختلفة. وتركز النقاش حول سؤال بسيط وعميق: هل يجوز عرض جسد إنسان مات قبل آلاف السنين لمجرد أن الزمن أبعده عنا؟
وانتهى المتحف إلى أن معتقدات «أسرو» الجنائزية كانت تقوم على صون الجسد وإبقائه داخل التابوت، لا كشفه أمام الجمهور. ولذلك أعيد جسدها إلى تابوتها، بينما بقي التابوت معروضًا في قاعة مصر والسودان.
هذه خطوة إيجابية في مسار تصحيح أخلاقي داخل المتاحف الغربية، لكنها تظل نصف خطوة. فاحترام رغبة «أسرو» لا يعني فقط حجب جسدها عن الأنظار، بل يستدعي أيضًا بحث حقها في العودة إلى الأرض التي عاشت ودُفنت فيها.
ليست قطعة أثرية فقط
تختلف المومياء عن التمثال أو الجعران أو اللوحة الحجرية؛ فهي رفات إنسان حقيقي. وهذا الفارق يجب أن تكون له آثار قانونية وأخلاقية. فالعالم شهد خلال العقود الأخيرة إعادة متاحف أوروبية وأمريكية رفات بشرية إلى الشعوب الأصلية في أستراليا ونيوزيلندا وأمريكا الشمالية وإفريقيا، اعترافًا بأن الاحتفاظ بأجساد أسلاف الآخرين وعرضها ليس حقًا مطلقًا.
وقد أعاد متحف مانشستر نفسه عام 2023 عددًا كبيرًا من القطع إلى شعب أنينديلياكوا من السكان الأصليين في أستراليا، وأعلن دعمه المتزايد لمبدأ رد المقتنيات والرفات إلى مجتمعاتها الأصلية. وإذا كان المتحف قادرًا على تطبيق هذا المبدأ مع شعوب أخرى، فمن حق المصريين أن يسألوا: لماذا لا يُفتح حوار رسمي وجاد بشأن عودة «أسرو»؟
ماذا ينبغي أن تفعل مصر؟
تبدأ الخطوة الأولى بطلب ملف كامل عن المومياء: تاريخ اقتنائها، ووثائق شرائها أو إهدائها، ومسار انتقالها من مصر إلى مانشستر، والدراسات التي أُجريت عليها، ووضعها القانوني الحالي.
ثم يمكن تشكيل لجنة مصرية تضم ممثلين عن وزارة السياحة والآثار، والمجلس الأعلى للآثار، وخبراء القانون الدولي وأخلاقيات المتاحف والأنثروبولوجيا، للتواصل مع جامعة مانشستر وإدارة المتحف. ولا ينبغي أن يبدأ الحوار باتهامات غير موثقة، بل بطلب شفاف للتحقق من مصدر الحيازة ومناقشة الإعادة الطوعية على أساس إنساني وأخلاقي.
وإذا تقررت عودتها، تستطيع مصر توفير مكان لائق لصونها ودراستها، سواء في المتحف القومي للحضارة المصرية أو أحد متاحف الأقصر، مع وضع ضوابط تضمن عدم تحويلها مجددًا إلى مادة للفرجة المكشوفة.
إخراجها من العرض ليس نهاية الحكاية
لقد أصاب متحف مانشستر حين قرر إعادة «أسرو» إلى تابوتها. لكن الاعتراف بكرامتها يفتح سؤالًا أكبر لا يمكن إغلاقه بإغلاق التابوت: لمن تنتمي هذه السيدة؟ وهل يكفي أن تُحجب عن أنظار الزوار بينما تبقى بعيدة آلاف الكيلومترات عن وطنها؟
ليست القضية صراعًا بين مصر ومتحف بريطاني، بل اختبار لمصداقية الخطاب العالمي عن إنهاء الاستعمار الثقافي واحترام الشعوب ورفات أسلافها. وإذا كانت «أسرو» قد استردت بعض خصوصيتها بعد مائتي عام، فقد آن الأوان لكي تبدأ الخطوة التالية: فتح ملف عودتها إلى مصر.
لقد خرجت السيدة المصرية من واجهة العرض، لكن رحلتها لم تنتهِ بعد. والعدالة الحقيقية لا تتحقق فقط بإسدال الستار على جسدها، بل بإعادتها إلى الأرض التي خرجت منها، لتستريح أخيرًا في وطنها.
ملحوظة ا ستندت المعلومات الأساسية بالمقال إلى الروابط التالية:
- الصفحة الرسمية لمتحف مانشستر،
- تقرير The Manchester Mill عن القرار،
- سجل المتحف العلمي عن إعادة فحص مومياء أسرو.






