الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (78)… أغلي قطعة آثرية مصرية بيعت في مزادات عالمية

عرضت قطع آثرية هي الأغلى في العالم، للبيع في مزادات علنية في عدة دول أوروبية وأمريكية؛ فعلى مدار العقود الماضية، خرجت من مصر أعداد من الآثار تتخطى حاجز المليون قطعة، وذلك بطرق مختلفة، بينها ما خرج بطرق قانونية وجزء آخر ضمن تهريب الآثار المصرية علي مدار العقود الماضية، فمنها ما كان يباع قانونيًا حتى عام 1983م، من خلال ختمها في المتحف المصري وبيعها، بالإضافة إلى أن البعثات الأجنبية العاملة في مصر كانت تأخذ حوالي 50% قانونيا من الاكتشافات الآثرية التي كانت تعثر عليها أثناء عملها.
وخلال عام 2011م وقيام ثورة يناير ومع حدوث الخلل الأمني كانت تحدث حفائر خلسة عن الآثار في أماكن كثيرة. وتعود هذ القطع المهربة لمختلف عصور مصر القديمة، بداية من عصر ما قبل الأسرات وحتى العصر القبطي. وخلال الأعوام الماضية باعت العديد من المزادات العالمية مثل دار كريستيز وسوثبى للفنون، العديد من القطع الآثرية المتنوعة على مدار الأعوام، واختلفت أسعار بيع القطع فهناك ما قدر بثمن باهظ وآخر شروه بثمن بخس.
تجارة الآثار كانت مشروعة ومقننة
إن تجارة الآثار كانت مشروعة ومقننة في مصر حتى 1983م، وتجار الآثار في مصر كانوا منتشرين من الإسكندرية إلى أسوان، أما الآن وبعد إصدار قانون منع تجارة الآثار أصبح هؤلاء حائزون فقط لما معهم من آثار وغير متاح لهم بيعها، وهناك لجان تفتيش تمر على هؤلاء بصورة منتظمة للتأكد من عدم تصرفهم في أي من القطع التي بحوزتهم.
وتشير أرقام وزارة الآثارالمصرية إلى أن أكثر من 32 ألفا وستمئة قطعة آثرية فقدتها مصر على مدار الخمسين عاما الأخيرة، في حين يقدر الأمين العام لاتحاد الأثريين العرب محمد الكحلاوي أن 30% من آثار مصر فقدت منذ عام 2011م، وتقدر قيمتها بثلاثة مليارات دولار.

الآثار المصرية المعروضة في المزادات العالمية
تتنوع الآثار المصرية المعروضة في المزادات العالمية بشكل كبير، وتشمل مجموعة واسعة من القطع الآثرية التي تعكس تاريخ وحضارة مصر القديمة العريق. فمنها تماثيل الملوك والملكات وتماثيل الآلهة وتماثيل الحيوانات المقدسة لدى المصريين القدماء، والقلادات والأقراط المصنوعة من الذهب والفضة واللازورد والعقيق وغيرها من الأحجار الكريمة والأساور التي كانت تزين المعاصم.
وكانت مصنوعة من الذهب والفضة والعاج. والخواتم والأختام التي كانت تستخدم في ختم الوثائق والرسائل؛ والحلى مثل الأساور والخواتم والعقود التي كانت تستخدم للتزين؛ والمومياوات والتوابيت التي كانت توضع فيها المومياوات، والتي كانت تزين بالنقوش والرسومات البديعة والأواني الفخارية وأوراق البردي والقطع الآثرية الصغيرة كتماثيل الأوشابتي والتمائم.
على الرغم من أن معظم كنوز الملك توت عنخ آمون موجودة في المتحف المصري الكبير بالقاهرة، إلا أن بعض القطع الصغيرة والقطع التكميلية تم بيعها في المزادات العالمية بأسعار خيالية. على سبيل المثال، بيعت بعض المجوهرات الصغيرة والتمائم التي كانت تزين مومياء الملك بأسعار تتجاوز الملايين من الدولارات. كذا تماثيل إيزيس، إلهة الأمومة والخصوبة، والتي تحظى بشعبية كبيرة بين جامعي التحف، تم بيع العديد منها الكبير والصغير بأسعار مرتفعة.
اغلي القطع المصرية
ولو سجلنا اغلي القطع المصرية تحديدا والتي بيعت الفترة الماضية، تأتي «المشكاة الزجاجية» النادرة والمزخرفة بصورة إبداعية من مسجد ومدرسة السلطان سيف الدين صرغتمش، بحي السيدة زينب في القاهرة، حطّمت الرقم القياسي؛ كأغلى مصباح يتم بيعه في العالم، بعدما أعلنت «دار بونامز» بلندن، بيعه بنحو 6.5 ملايين دولار خلال شهر نوفمبر 2024م، وذلك المصباح الأثري أو القنديل (مشكاة)، هي مشكاة زجاجية نادرة ومزخرفة بصورة إبداعية وكانت معلقًة في مدرسة ومسجد صرغتمش، الذي تم تأسيسه في عام 1356م؛ القائم حتى الآن بجانب مسجد أحمد بن طولون بالقطائع القديمة بحي السيدة زينب ويبدو أن المشكاة انتقلت بين أيدي هواة التحف، حتى وصلت لمزاد دار بنامز.
بينما يأتي تمثال “سخم كا” من الدولة القديمة، كأغلى قطعة اثريه مصرية بيعت في المزادات؛ فقد بيع في مزاد في لندن بدار كريستيز عام 2014م بسعر 15 مليونا و800 ألف جنيه إسترليني (يعادل حوالي 24 مليون دولار أمريكي في ذلك الوقت). وكشفت وثائق حكومية بريطانية أن تمثال “سخم كا” الذي باعه متحف تورثامبتون البريطاني (حيث قررت إدارة المتحف، حيث كان التمثال معروضًا، بيعه لتوفير الأموال اللازمة لتوسعة المتحف) لمشتر مجهول فى يوليو 2014 متواجد الآن فى الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع الزخم الذي رافق بيع التمثال والحملات المصرية والبريطانية ضد بيعه، قرر المشترى عدم الكشف عن هويته أو المكان الذي سينتقل إليه التمثال. زعمت إدارة المتحف أن مصر ليس لديها أي وثائق تثبت ملكيتها للتمثال، وأن التمثال غادر مصر قبل بدء تطبيق اتفاقية اليونسكو لحظر تهريب الآثار.
تمثال “سخم كا”
وتمثال “سخم كا” هو واحد من أبرز القطع الآثرية المصرية التي آثارت جدلاً واسعًا في عالم الآثار والمزادات العالمية. حيث يمثل هذا التمثال رجلًا مصريًا قديمًا يعود تاريخه إلى الأسرة الخامسة، أي إلى حوالي 4500 عام. يتميز التمثال بتفاصيل دقيقة ونحت واقعي ويبلغ التمثال 75 سنتيمتر طولًا ويمثل مفتش كتبة إحدى المحاكم المصرية وفى يده لفافة مفتوحة من البردي، وإلى جانبه تمثال أصغر لزوجته وهي تحتضن ساقه، وابنه إلى جانب ساقه الأخرى، و7 من حملة القرابين على جانبي وخلفية مقعده. وفر التمثال معلومات قيمة عن الحياة اليومية في مصر القديمة، وملابس الناس، وعاداتهم وتقاليدهم. تم اكتشاف تمثال “سخم كا” في منطقة سقارة، وهي إحدى أهم المواقع الآثرية في مصر.
وكانت عائلة “سبنسر كومبتون” (Spencer Compton) الأرستقراطية قد تبرعت بالتمثال للمتحف عام 1880م، وكان الماركيز الثاني لنورثامبتون قد جلب التمثال إلى بريطانيا بعد رحلة إلى مصر قبل هذا التاريخ بثلاثة عقود، بحسب صحيفة الإندبندنت البريطانية.
للحضارة المصرية والحضارة الإنسانية
ويعد التمثال النادر ذو أهمية كبيرة للحضارة المصرية والحضارة الإنسانية بشكل عام، لكونه الأثر الوحيد المعروف الذي يضم شكل ثلاثي الأبعاد ونقوش بارزة وكتابة هيروغليفية في عمل واحد من الألفية الثالثة قبل الميلاد في مصر، بالإضافة إلى ندرة التماثيل التي تمثل عائلة بأكملها في المملكة القديمة، طبقًا لملف الصادرات البريطانية.
عموما وللمقارنة تعد لوحة الفنان الإيطالي الشهير، ليوناردو دافنشي، للمسيح المخلص، “سالفاتور موندي”، بمثابة أغلى عمل فني تم بيعه في مزاد على الإطلاق، إذ وصلت قيمتها إلى 450.3 مليون دولار في عام 2017م خلال مزاد نظمته دار كريستيز للمزادات.
دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)،عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين




