الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (89)…ألوان مصرية تحت مجاهر المتاحف الأجنبية
هل يكفي امتلاك الأثر لإجراء تجارب عليه دون الرجوع إلى مصر؟... مقال جديد ضمن سلسلة مقالات عن تهريب الآثار المصرية
ليست قصة الألوان المصرية القديمة مجرد حكاية عن صبغات قاومت الزمن، بل تفتح بابًا أوسع وأكثر حساسية: من يملك حق فحص الآثار المصرية الموجودة خارج مصر؟ ففي 26 أغسطس 2026م نشرت دورية «ساينس أدفانسز» دراسة استخدمت تحليل البروتينات القديمة للكشف عن المواد الرابطة واللاصقة في أعمال فنية مصرية محفوظة بمتاحف أوروبية. والنتائج العلمية مهمة، لكن مكان القطع وطبيعة أخذ العينات يضعان الدراسة أيضًا في قلب النقاش حول الآثار التي خرجت من مصر، وسيادة بلد المنشأ على المعرفة المتولدة منها.
آثار مصرية في ثلاث مجموعات أوروبية
حلّل فريق دولي بقيادة الباحثة كلارا جرانزوتو، من جامعة كوبنهاجن، 28 عينة مجهرية مأخوذة من 14 قطعة أثرية مصرية. ولم تكن القطع موجودة في متاحف مصر، بل ضمن مجموعات متحف البحر المتوسط والشرق الأدنى في ستوكهولم، والمتحف البريطاني في لندن، ومتحف ني كارلسبرج جليبتوتيك في كوبنهاجن. وشملت توابيت خشبية ملونة، وكارتوناجًا جنائزيًا، ورسومًا جدارية، وعناصر معمارية من الحجر الجيري، ترجع إلى الفترة من نحو 1425 قبل الميلاد حتى 400 ميلادية.
هذه الحقيقة ليست هامشًا جغرافيًا؛ فالقطع تحمل هوية مصرية واضحة، بينما توجد سلطة الحفظ والإذن بالفحص في مؤسسات أجنبية. ومن هنا يظهر سؤال مشروع: هل انتقال الأثر إلى الخارج، بأي طريق كان، ينقل إلى حائزه وحده حق أخذ عينات منه وإنتاج معرفة علمية عنه؟ أم تبقى لمصر، باعتبارها بلد المنشأ وصاحبة التراث الحضاري، مصلحة أصيلة يجب احترامها؟
ماذا كشفت العينات؟

اعتمد الباحثون على «البروتيوميات القديمة»، وهي تقنية تتعرف إلى بقايا البروتينات في عينات شديدة الصغر. وقد أظهرت الدراسة أن المصري القديم لم يعتمد مادة واحدة ثابتة، بل استخدم منظومة متنوعة من المواد الرابطة واللاصقة. فكُشف عن غراء حيواني مصدره الأبقار، إلى جانب الأغنام أو الماعز والحمير والخيول، وربما بعض الظباء، كما ظهرت بروتينات البيض ومواد نباتية.
وكانت المفاجأة الأبرز رصد بروتينات من بذور السمسم والمورينجا. وبالجمع بين تحليل البروتينات والتحليل الكيميائي، رجح الفريق أن بعض الخلطات ربما احتوت على «كُسب البذور»، أي البقايا البروتينية بعد عصر الزيت، لا الزيت النقي وحده. وقد يكون هذا المنتج قد استُخدم لتحسين القوام أو التماسك أو الالتصاق. ولا تعني النتائج اكتشاف وصفة فرعونية واحدة؛ فالقطع الأربع عشرة تنتمي إلى عصور وورش مختلفة، لكنها تكشف عن خبرة تقنية واسعة وعن توظيف ذكي لمواد حيوانية ونباتية متاحة.
العلم مفيد… لكن العينة ليست بلا ثمن
لا شك في القيمة العلمية والترميمية لهذه النتائج. فمعرفة المادة الأصلية تساعد المرممين على اختيار طرق تنظيف وتثبيت لا تتفاعل معها بصورة ضارة. لكن تحليل البروتينات في هذه الحالة بدأ بأخذ عينات مادية، ولو كانت مجهرية. والعينة «المتناهية الصغر» تظل جزءًا منفصلًا من أثر غير قابل للتعويض؛ ولذلك تُعد مثل هذه الإجراءات من صور التحليل المتلف أو شبه المتلف، وتحتاج إلى ضرورة علمية واضحة، وأقل كمية ممكنة، وتوثيق كامل لموضع العينة ومصيرها ونتائجها.
وينص دليل أخلاقيات المجلس الدولي للمتاحف على أن التحليل المتلف يجب أن يُسجَّل في الملف الدائم للقطعة، بما يشمل المادة التي جرى تحليلها والنتائج والبحوث والمنشورات الناتجة. وهذا معيار مهم، لكنه يجيب عن كيفية إجراء الفحص وتوثيقه، ولا يحسم وحده سؤالًا أعمق: أين يقف بلد المنشأ من قرار المساس المادي بتراثه؟
هل كان يجب أخذ موافقة مصر؟
الجواب القانوني الدقيق ليس «نعم» مطلقة ولا «لا» مطلقة. إذا كان المتحف يحوز القطعة حيازة قانونية مستقرة، فالأصل العملي أن لجنة المتحف المختصة هي التي تمنح الإذن بأخذ العينة وفق قانون الدولة الموجود بها الأثر وسياسة المؤسسة. ولا تتضمن اتفاقية اليونسكو لعام 1970، التي تستهدف منع الاستيراد والتصدير ونقل الملكية بطرق غير مشروعة، قاعدة عامة تلزم كل متحف بالحصول على موافقة دولة المنشأ قبل أي تحليل علمي لقطعة يحوزها قانونًا.
لكن الوضع يتغير إذا كانت ملكية القطعة محل نزاع، أو كان منشؤها غير واضح، أو وُجدت دلائل على خروجها بصورة غير مشروعة، أو كانت خاضعة لاتفاق إعارة أو تعاون يفرض موافقة مصرية. هنا يصبح التحقق من سجل الاقتناء ضرورة سابقة على أخذ العينة، وقد يكون الرجوع إلى السلطات المصرية واجبًا قانونيًا أو تعاقديًا، فضلًا عن كونه واجبًا أخلاقيًا. كما أن اتفاقية 1970 نفسها تؤكد أن التراث الذي صنعه أبناء الدولة أو عُثر عليه في إقليمها يدخل ضمن تراثها الثقافي، وتدعو إلى التعاون الدولي لحمايته واسترداد ما نُقل منه بصورة غير مشروعة.
ما هو الحد الأدنى الأخلاقي؟
حتى عندما لا توجد قاعدة قانونية صريحة تفرض موافقة مصر، فإن أخلاقيات ما بعد الاستعمار تدعو إلى ما هو أبعد من حق الحائز. فالقطعة ليست مادة مخبرية محايدة، والمعرفة المستخرجة منها جزء من تراث المجتمع الذي أنتجها. لذلك كان الأجدر أن تُبنى الدراسات التي تتضمن أخذ عينات من آثار مصرية في الخارج على شراكة حقيقية مع المؤسسات المصرية، تشمل إخطار الجهات المختصة، ومشاركة باحثين ومرممين مصريين منذ تصميم المشروع، وإتاحة البيانات والنتائج والصور التحليلية لهم، وحفظ ما يتبقى من العينات، وبيان تاريخ اقتناء كل قطعة بوضوح.
ومن الضروري كذلك نشر «بيان مصدر» لكل أثر: أين اكتُشف؟ ومتى غادر مصر؟ وبأي سند دخل المجموعة الأجنبية؟ وهل توجد مطالبات سابقة بشأنه؟ إن إغفال هذه الأسئلة يجعل البحث العلمي، من دون قصد، غطاءً يطبع وجود القطع في الخارج بوصفه أمرًا طبيعيًا لا تاريخ له. أما إدراجها فلا يقلل من قيمة الدراسة، بل يزيد صدقيتها ويصل العلم بتاريخ المجموعة ومسؤوليتها الأخلاقية.
المعرفة لا ينبغي أن تصبح غنيمة ثانية
خرجت أعداد هائلة من الآثار المصرية خلال عصور تفاوتت فيها موازين القوة والقوانين وطرق الحفر والاقتسام والشراء. وبعض القطع غادر في ظل نظم كانت قائمة آنذاك، وبعضها تحيط به شبهات أو فجوات في تاريخ الحيازة. لذلك لا يصح وصف كل أثر مصري في الخارج بأنه «مهرَّب» من دون فحص وثائقه، كما لا يصح افتراض شرعية كل حيازة لمجرد مرور الزمن أو وجود القطعة داخل مؤسسة مرموقة.
إن الفائدة التي حققتها دراسة الألوان حقيقية؛ فقد أعادت إلينا جانبًا من عبقرية الورشة المصرية القديمة، وكشفت أن سر البقاء لم يكن مادة سحرية، بل تآزر الصبغات المعدنية، وإعداد السطح، والمواد الرابطة، وجفاف البيئة، ومهارة الصانع. غير أن نجاح العلم لا يعفينا من سؤال العدالة: من يقرر أخذ جزء من الأثر؟ ومن يشارك في تفسيره؟ ومن يحتفظ بالبيانات والعينات والمعرفة الناتجة؟
المطلوب ليس إغلاق أبواب المختبرات أمام الآثار المصرية، بل فتحها أمام مصر بوصفها شريكًا أصيلًا لا مجرد اسم في خانة «بلد المنشأ». فالأفضل أن يصبح التشاور المسبق قاعدة أخلاقية في كل تحليل متلف، وأن تُعطى الأولوية للتقنيات غير المتلفة، وأن يُنشر سجل الاقتناء والإذن وأخذ العينات بشفافية. عندئذ يتحول البحث من استغلال جديد للقطعة المنقولة إلى تعاون معرفي يحفظ الأثر وحقوق حضارته معًا.
الألوان المصرية قاومت ثلاثة آلاف عام، لكن حمايتها اليوم لا تقتصر على تثبيت صبغاتها. الحماية الحقيقية تعني أيضًا صون سياقها، وكشف طريق خروجها، واحترام حق المصريين في المشاركة في دراسة تراثهم. فلا ينبغي أن تكون الآثار غنيمة أولى، ثم تصبح المعرفة المستخرجة منها غنيمة ثانية.
المراجع المختصرة
- Clara Granzotto et al. (2026). Beyond animal glue: Paleoproteomic analysis of paint binders and adhesives in ancient Egypt. Science Advances, 12, eady3618. DOI: 10.1126/sciadv.ady3618.
- اتفاقية اليونسكو لعام 1970 بشأن وسائل حظر ومنع استيراد الممتلكات الثقافية وتصديرها ونقل ملكيتها بطرق غير مشروعة.
- المجلس الدولي للمتاحف (ICOM)، مدونة أخلاقيات المتاحف، بند التحليل المتلف وتوثيق العينات والنتائج.






