خيارات المحررينمقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (87)… غسل الآثار المصرية وكيف تُزوَّر «شجرة النسب» ليتحول الأثر المنهوب إلى قطعة مشروعة؟

حين نسمع عن تهريب الآثار المصرية، تتجه أذهاننا غالبًا إلى الحفر ليلًا، والأنفاق السرية، والحقائب المخبأة، والقطع التي تعبر الحدود داخل شاحنات أو حاويات بحرية. لكن خروج الأثر من باطن الأرض أو من موطنه الأصلي ليس سوى المرحلة الأولى من الجريمة؛ إذ تظل القطعة المنهوبة خطرًا على حائزها ما دامت بلا أوراق تفسر مصدرها وطريقة انتقالها.

هنا تبدأ مرحلة أكثر هدوءًا وخطورة، يمكن وصفها بـ«غسل الآثار»: أي إخفاء الأصل غير المشروع للقطعة، وإعادة تقديمها في السوق باعتبارها أثرًا قديمًا انتقل بصورة قانونية بين المالكين. وكما تُغسل الأموال غير المشروعة عبر معاملات تمنحها مظهرًا قانونيًا، تُغسل القطعة الأثرية عبر قصص ووثائق ومعارض ومزادات متتابعة، حتى تنفصل في الظاهر عن لحظة سرقتها ضمن سلسلة تهريب الآثار المصرية..

ما المقصود بسجل المنشأ؟

لكل قطعة أثرية ما يشبه «شجرة النسب»، تُعرف في سوق الفن والآثار باسم سجل المنشأ أو الملكية السابقة (Provenance). ويتضمن هذا السجل أسماء المالكين السابقين، وتواريخ انتقال القطعة بينهم، والمعارض التي ظهرت فيها، وكتالوجات المزادات التي عرضتها، وتصاريح تصديرها واستيرادها، وصورها القديمة، وأي وثائق تثبت مكان وجودها خلال مراحل تاريخها الحديث.

وتزداد قيمة القطعة كلما كان سجلها واضحًا ومتصلًا ومدعومًا بوثائق يمكن التحقق منها. أما العبارات الغامضة من قبيل: «من مجموعة أوروبية قديمة»، أو «اقتُنيت في الشرق الأوسط قبل عقود»، أو «من ممتلكات جامع خاص»، فلا تكفي لإثبات المشروعية. إنها قد تكون أحيانًا ستارًا لغويًا يخفي فجوات كبيرة في تاريخ القطعة.

ولا يعني غياب السجل دائمًا أن الأثر مسروق؛ فقد تكون بعض الوثائق قد فُقدت فعلًا. لكن الغياب يفرض مزيدًا من التدقيق، لا مزيدًا من التساهل، للحد من تهريب الآثار المصرية وغيرها حول العالم.

كيف تُصنع هوية زائفة للأثر؟

تبدأ العملية غالبًا بمنح القطعة قصة يصعب اختبارها؛ فيُقال إنها خرجت من مصر في النصف الأول من القرن العشرين، أو ظلت لسنوات طويلة ضمن مجموعة عائلية مجهولة. وقد تُضاف إلى القصة فاتورة قديمة أو خطاب مبيعات أو ملصق ورقي يحمل اسم معرض لم يعد موجودًا.

وفي حالات أخرى، تمر القطعة عبر أكثر من تاجر أو شركة في دول مختلفة، فتترك وراءها سلسلة من الفواتير الحديثة. ومع تكرار البيع تصبح آخر فاتورة هي الوثيقة الأكثر حضورًا، بينما يختفي السؤال الأهم: من أين جاءت القطعة قبل ظهورها الأول في السوق؟

وقد تُعرض القطعة في معرض صغير أو كتالوج محدود التداول، ثم تعود بعد مدة إلى دار مزادات أكبر، مصحوبة بعبارة توحي بأنها «منشورة سابقًا». وهكذا يتحول الظهور الحديث إلى دليل مصطنع على القِدم، مع أنه لا يثبت قانونية استخراجها أو تصديرها.

كما قد تُدمج قطعة حديثة التهريب داخل مجموعة تضم آثارًا ذات تاريخ قانوني موثق، فتستفيد من سمعة المجموعة كلها. وربما تُستخدم صور منخفضة الجودة، أو أوصاف عامة، أو تقديرات زمنية فضفاضة، بما يصعّب مطابقتها بسجلات القطع المسروقة.

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية
غسل الآثار المصرية ضمن سلسلة مقالات عن تهريب الآثار المصرية

لماذا يصعب اكتشاف الخداع؟

لا تحمل القطع الأثرية أرقامًا متسلسلة كالسيارات والأجهزة. والقطعة الناتجة عن تنقيب سري قد لا تكون مسجلة أصلًا؛ لأنها انتُزعت من موقع لم يُكتشف رسميًا. ولذلك قد لا تظهر عند البحث في قاعدة بيانات المسروقات، ليس لأنها مشروعة، بل لأن السلطات لم تعرف بوجودها قبل خروجها.

كذلك تتوزع المعلومات بين جهات كثيرة: وزارات الآثار، وأجهزة الشرطة والجمارك، والمتاحف، ودور المزادات، وشركات الشحن والتأمين. وقد تؤدي اختلافات اللغة أو الوصف أو زاوية التصوير إلى عدم اكتشاف التطابق.

وتتضاعف الصعوبة عندما يكون التاجر في دولة، والقطعة مودعة في دولة ثانية، والبائع مسجلًا في دولة ثالثة، والمزاد متاحًا عبر الإنترنت لمشترين في العالم كله. وتتحول الحدود القانونية إلى مساحات يستفيد منها الوسطاء لإخفاء مسار الأثر.

ليست كل ورقة دليلًا

وجود فاتورة أو شهادة لا يعني تلقائيًا سلامة الملكية؛ فالوثيقة نفسها تحتاج إلى تحقق. ينبغي فحص اسم محررها، وتاريخ إصدارها، ونوع الورق والحبر، وأختام الجهات المنسوبة إليها، وأرقام التراخيص، وتوافق وصف القطعة ومقاساتها وصورها مع الأثر المعروض.

كما يجب التحقق من أن المالك المذكور كان موجودًا فعلًا، وأن المعرض كان يعمل في التاريخ المحدد، وأن قوانين بلد المنشأ كانت تسمح بالتصدير وقتها. وقد تبدو الوثيقة مقنعة بصريًا، لكنها تسقط أمام سؤال زمني بسيط: هل استُخدم هذا الشعار أو هذا العنوان أو هذا النوع من الطباعة في التاريخ المكتوب عليها؟

وتكشف هذه التفاصيل أن أن مكافحة تهريب الآثار المصرية، لا تعتمد على عالم الآثار وحده، وإنما تحتاج إلى خبراء الوثائق، والمحققين الماليين، والجمارك، والمتخصصين في قواعد البيانات والتصوير الجنائي.

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (٨٥)… الجانب المظلم من الإنترنت (حيث تُباع توابيت مصرية بلا حسيب ولا رقيب)

العناية الواجبة ليست إجراءً شكليًا

تؤكد منظمة اليونسكو أن معرفة منشأ الممتلك الثقافي وممارسة العناية الواجبة عنصران أساسيان في مكافحة الاتجار غير المشروع. والعناية الواجبة تعني إجراء بحث حقيقي قبل الشراء أو العرض، لا الاكتفاء بتصريحات البائع.

وينبغي أن يشمل البحث مراجعة قاعدة الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة، والقواعد الوطنية، والقوائم الحمراء للمجلس الدولي للمتاحف، وفحص تصاريح التصدير والاستيراد، والتأكد من هوية البائع وحقه في التصرف في القطعة.

وتضم قاعدة الإنتربول للأعمال الفنية المسروقة صورًا وأوصافًا لنحو 57 ألف قطعة مفقودة أو مسروقة. ومع أهمية هذا الرقم، تظل القاعدة أداة من أدوات الفحص وليست شهادة براءة؛ فعدم العثور على القطعة فيها لا يثبت قانونية مصدرها.

وفي عام 2026 عززت اليونسكو هذه المبادئ من خلال مراجعة مدونتها الدولية لأخلاقيات تجار الممتلكات الثقافية، مؤكدة ضرورة التحقق من المصدر القانوني والتعاون مع السلطات المختصة. كما تقضي أحكام اتفاقية اليونسكو لعام 1970 بأهمية منع الاستيراد والتصدير ونقل الملكية بطرق غير مشروعة.

مسؤولية لا تقع على التاجر وحده

تهريب الآثار المصرية ومسح تاريخها مسئولية لا تقع علي التاجر وحده، وتتحمل دور المزادات والمتاحف والجامعون وشركات الشحن والتأمين مسؤولية أخلاقية وقانونية. فالمزاد الذي يقبل وصفًا غامضًا للملكية، والمتحف الذي يعرض قطعة مجهولة المصدر، والمشتري الذي يتجاهل علامات الخطر؛ جميعهم يمنحون السوق غير المشروعة فرصة للاستمرار.

وينبغي إعلان سجل الملكية كاملًا بقدر الإمكان، مع توضيح الفجوات بدل إخفائها خلف عبارات براقة. وعند وجود شك جدي، يكون الامتناع عن الشراء أو العرض هو التصرف السليم. فشهرة المؤسسة أو ارتفاع سعر القطعة لا يصنعان ملكية قانونية.

ما الذي تحتاجه مصر؟

تحتاج مصر إلى قاعدة رقمية موحدة للآثار المسروقة والمفقودة، تربط سجلات المتاحف والمخازن والمواقع الأثرية ومحاضر الضبط القديمة، وتتيح تبادل البيانات سريعًا مع الإنتربول والجمارك ودور المزادات الدولية، لاسترداد الآثار ووقف عمليات تهريب الآثار المصرية.

ومن الضروري توثيق القطع الأثرية بصور عالية الدقة، ومقاسات دقيقة، ووصف علمي، وتسجيل السمات المميزة وآثار التلف والترميم؛ لأن خدشًا صغيرًا أو كسرًا قديمًا قد يكون بمنزلة بصمة تكشف هوية القطعة رغم تغيير اسمها أو وصفها.

كما ينبغي تكوين فرق تجمع بين الأثريين وخبراء الوثائق والجرائم المالية والتقنيات الرقمية، مع رصد مستمر للمزادات والمنصات الإلكترونية. ويمكن لخوارزميات مطابقة الصور أن تساعد في مقارنة آلاف الإعلانات بصور القطع المسجلة، لكنها لا تغني عن الخبرة البشرية والتحقيق القانوني.

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (٨٤)… eBay ” إيباي ” بوابة مزدوجة لتجارة الآثار المصرية عبر الإنترنت

الأثر ليس يتيمًا بلا وطن

إن أخطر ما يفعله «غسل الآثار» أنه لا يسرق القطعة فقط، بل يسرق قصتها أيضًا. فالتمثال أو التابوت أو اللوحة المنزوعة من موقعها تفقد علاقتها بالمقبرة والمعبد والطبقة الأثرية والنقوش المجاورة؛ وبذلك يُدمَّر جزء من المعرفة لا يستطيع المال استعادته.

ومكافحة تهريب الآثار المصرية لا تبدأ عند الحدود وحدها، بل تمتد إلى كل معرض ومزاد ومتحف يسأل: أين كانت هذه القطعة؟ ومن امتلكها؟ ومتى غادرت مصر؟ وما الوثيقة التي تثبت ذلك؟

فالأثر المصري لا يصبح مشروعًا لأن تاجرًا منحه فاتورة، ولا يكتسب وطنًا جديدًا لأن مزادًا أعاد تسميته. وراء كل قطعة تاريخ يجب التحقق منه؛ فإذا كانت «شجرة نسبها» مصطنعة، فقد تكون واجهتها اللامعة آخر مرحلة في جريمة بدأت بمعولٍ سري تحت جنح الظلام، وإكتملت بتهريب الآثار المصرية لخارج البلاد.

دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ الرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا؛ الرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل؛ أحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات؛ عضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى