مقالات

رامي العاصي يكتب .. حين خذلتنا كرة القدم.. أنقذتنا اليد!

    انتهت منذ ساعات بطولة كأس العالم لكرة اليد للشباب، التي استضافتها مصر وسط تنظيم مبهر ومنافسات شديدة الإثارة، ورغم حداثة أعمار اللاعبين وقلة خبراتهم مقارنة بالمحافل الكبرى، فقد فاقت البطولة – من حيث التشويق والإيقاع – كثيرًا من البطولات العالمية في ألعاب أكثر شهرة.

     تزامن انطلاق البطولة مع انطلاق الدوري المصري لكرة القدم، مما دفع إلى مقارنة تلقائية بين مستوى الإثارة والتشويق في كل منهما.. وبلا شك، نجح شباب اليد في جذب انتباه المواطن المصري بأدائهم الممتع والقتالي، في وقت فشل فيه كثير من متابعي كرة القدم في إيجاد تلك المتعة نفسها على ملاعب الدوري المحلي، الذي أصبح بعيدًا كل البعد عن آمال المتفرجين وفى تراجع مستمر منذ عقود.

      نعم، تظل كرة القدم اللعبة الأكثر جماهيرية في مصر، وتحظى بمتابعة حثيثة من الملايين الذين يتابعون تفاصيلها بشغف، لكن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن مستوى التنافس في الدوري المحلي لا يرقى لتلك التطلعات، فالمباريات باتت بطيئة الإيقاع، تعاني من كثرة التوقفات وإضاعة الوقت، وتغلب عليها خطط دفاعية مفرطة لا تُرضي جمهورًا يتطلع إلى كرة هجومية سريعة وممتعة ..  يُضاف إلى ذلك الاعتراضات المستمرة على التحكيم من كافة أطراق اللاعبة، وسوء أرضيات الملاعب، ورداءة التصوير التلفزيوني والتعليق المزعج، كلها  عوامل جعلت المشاهدة مرهقة ومنفّرة، خاصة للجيل الجديد الذي نشأ في عصر السرعة والاحترافية وهو ما تعبر عنه بوضوح مدرجات الملاعب، التي باتت شبه خاوية من الجماهير.

     في المقابل، قدمت بطولة العالم للشباب في كرة اليد تجربة رياضية ناضجة ومليئة بالحيوية.. الإيقاع السريع، واللحظات الحاسمة، والتنافس المستمر، جعلت كل دقيقة من كل مباراة مشهدًا لا يُفوّت. قواعد اللعبة التي تمنع اللعب السلبي، ونظام التغييرات السريعة، أضافت بعدًا من الإثارة، وحافظت على تركيز المشاهد طوال زمن المباراة، دون فرصة للملل أو التشتيت، واللافت أن تلك المتعة لم تكن حكرًا على مباريات منتخب مصر، بل شملت معظم المواجهات في البطولة، مما يجعل كرة اليد رياضة مثالية لمتابعة مشوّقة، تتجاوز حدود الانتماء الوطني، وتمنح المشاهد متعة رياضية خالصة.

       أعتقد أن ما حققته منتخبات اليد المصرية، في مختلف الفئات العمرية على المستويين القاري والعالمي، يجب أن يُقابل بدعم شعبي ومؤسسي واسع، يعزز مكانة اللعبة ويدفعها نحو مزيد من الإنجازات، فالاهتمام بكرة اليد ليس رفاهية، بل هو استثمار في رياضة قادرة فعليًا على جذب الأجيال الجديدة نحو ممارسة النشاط الرياضي من جديد، بعدما عجزت كرة القدم المحلية عن إقناعهم أو الحفاظ على شغفهم.

         ومع تراجع الدور الإيجابي لكرة القدم المحلية في هذا الجانب، يصبح من الضروري إدراك أن ممارسة الرياضة بين الشباب ليست مجرد ترف، بل تمثل أمنًا قوميًا حقيقيًا، يجب أن نلتفت إليه بجدية، لما له من تأثير مباشر على الصحة العامة والانضباط، وبناء أجيال أكثر وعيًا وقدرة على تمثيل مصر في المحافل الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى