الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (79)…ميدوسا للفن (Medusa Art): سوقٌ رقمي لبيع الذاكرة الأثرية المصرية
يمثل موقع "ميدوسا للفن"( Medusa Ancient Art ) مثار جدل حول تجارة وتهريب الآثار المصرية على الإنترنت في عالم يتزايد فيه الوعي بأهمية حماية التراث الثقافي

يمثل موقع “ميدوسا للفن”( Medusa Ancient Art ) مثار جدل حول تجارة وتهريب الآثار المصرية على الإنترنت في عالم يتزايد فيه الوعي بأهمية حماية التراث الثقافي، وتظل تجارة الآثار غير المشروعة تشكل تحديًا عالميًا. وعلى الرغم من الجهود الدولية والمحلية لمكافحة تهريب القطع الأثرية، تستمر بعض المنصات الإلكترونية في عرض وبيع ما يُشتبه في كونه كنوزًا خرجت بطرق غير قانونية من دولها الأصلية. ومن بين هذه المنصات، يبرز موقع ميدوسا للفن “Medusa Ancient Art” كنموذج يثير الجدل حول مصادر آثاره، لا سيما المصرية منها.
يُعرّف موقع “Medusa Ancient Art” نفسه بأنه مصدر لبيع القطع الأثرية القديمة، ويُديره الأمريكي غابرييل فاندفورت. ويزعم الموقع أنه يحصل على قطعه الأثرية من مزادات عالمية ومتاحف كبرى في أوروبا وأمريكا، ويؤكد التزامه بالقوانين الدولية المتعلقة بتجارة الآثار، مشيرًا إلى أن جميع القطع المصرية لديه تم تصديرها بشكل قانوني من مصر قبل اتفاقية اليونسكو لعام 1970، وأنها تأتي من مجموعات أمريكية وأوروبية قديمة، أو من مقتنيات متاحف سابقة، أو من المزادات.
🏛️ من هو ميدوسا للفن Medusa Ancient Art؟
- تأسيس وتاريخ: يعمل منذ عام 1996 من مونتريال – كندا، ويُعدّ واحدًا من أشهر تجار الآثار عبر الإنترنت، حيث يعرض مئات القطع، مع شهرة خاصة في الآثار المصرية والرومانية واليونانية القديمة.
- اعتمادات دولية: معتمد لدى جمعيات تجارية مرموقة مثل CINOA وAADLA، التي تُعدّ من أبرز الرابطة الفنية للتفاوض في أمريكا وأوروبا (
- طبيعة المعروضات: يضم “قِسمًا مصريًا قديمًا” متكاملاً من تماثيل صغيرة (شابتيس)، تمائم (scarabs)، أوعية صغيرة، وتماثيل برونزية، بمحفوظات دقيقة للحالة وحالة ممتازة .
مهام التسويق والدفع
-
أسعار بالدولار الأمريكي، مع إمكانية عرض بقيمة مالية تقريبية بعملات أخرى حسب الموقع .
-
يُقدم خطط تقسيط للشراء (بدون فوائد)، خاصة للقطع التي تزيد قيمتها عن 900 دولار مع دفعة أولى لا تقل عن 300 دولار أو 10%، وتسليم القطع بعد إكمال الدفع .
مصداقية وجودة
- بحوث وتوثيق مستمر: يعلن الموقع حسن توثيق معلومات القطع حتى تاريخ آخر تعديل، مع ادعاء أن الصور والمواصفات دقيقة .
- سمعة قوية: يُعدّ أحد أكبر المعارض الإلكترونية للقطع الأثرية؛ يُبحث سنويًا في ما يقارب 1500 قطعة، ويوصف بأنه “الأكثر موثوقية” في سوق الآثار عبر الإنترنت .
- علاقات شراكة: في 2006، دخل في تعاون مع دار سوذبيز للمزادات، ما يعزز من سمعته في السوق الدولي .
⚖️ اعتبارات قانونية وأخلاقية:
- الشرعية والوثائق: رغم توثيق الموقع وجود شهادات وحالة جيدة للقطع، فإن هذا لا يغني عن شهادات ملكية قانونية وسجل تصدير رسمي، خاصة طبقًا لقانون 117 لسنة 1983 في مصر الذي يمنع إخراج الأثر الأصلي من البلاد.
- المخاطر الشرعية: شراء قطع أثرية مصرية دون ضمانات قانونية (سجل ملكية + ترخيص تصدير مصرى) يعرض المشتري لمشكلات قانونية أو احتمال المصادرة.
- أصول القطع: بعض القطع قد أُصدرت قبل تطبيق التشريعات الحديثة، لكن مسؤولية التحقق تقع على المشتري لضمان توافق كل قطعة مع القوانين المصرية الحالية.
واجهة قانونية… وشبهات مستمرة:
يعرض الموقع مجموعة واسعة من الآثار المصرية، تشمل تماثيل، وأقنعة، وتمائم، وحلي، وأسلحة بدائية، وعملات نقدية، بالإضافة إلى مجموعة من كتان المومياوات. ورغم تأكيدات الموقع على شرعية مصادرها، فإن وجود مثل هذه القطع في السوق المفتوحة، خاصة تلك التي لا تملك “سلسلة حيازة” (Provenance) واضحة وموثقة منذ اكتشافها، يثير دائمًا علامات استفهام لدى الأثريين والمنظمات المعنية بحماية التراث.
تُعد قضية “سلسلة الحيازة” حجر الزاوية في تحديد شرعية القطعة الأثرية. فالقطعة التي تفتقر إلى سجل موثق يوضح كيفية خروجها من موقعها الأصلي، ومن ثم انتقال ملكيتها عبر الأيدي المختلفة بشكل قانوني، تُعتبر عرضة للشبهات بأنها قد تكون نتاج حفريات غير مشروعة أو سرقة.
مصر في مواجهة التهريب الرقمي:
تواجه مصر، كواحدة من أغنى الدول بالآثار، تحديًا مستمرًا في مكافحة تهريب كنوزها. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة السياحة والآثار المصرية، بالتعاون مع الشرطة الدولية (الإنتربول) والجهات القضائية في الدول الأخرى، لاستعادة القطع المهربة، فإن العملية غالبًا ما تكون معقدة وطويلة.
تعتمد شبكات التهريب الحديثة بشكل متزايد على الإنترنت والمنصات الإلكترونية لتصريف الآثار المسروقة. فالمواقع التي تبيع الآثار، حتى لو ادعت الشرعية، يمكن أن تكون جزءًا من دورة غسيل الآثار، حيث يتم إضفاء الشرعية على القطع المنهوبة من خلال بيعها في المزادات العلنية أو عبر تجار يدعون “حسن النية”.
تحديات الاسترداد والجهود المبذولة:
تكمن صعوبة استرداد الآثار في عدة نقاط:
إثبات الملكية: تتطلب الدول والجهات المالكة للقطع الأثرية دليلاً قاطعًا على أن القطعة خرجت بطريقة غير مشروعة بعد تاريخ معين (عادةً بعد اتفاقية اليونسكو لعام 1970 التي تحظر الاتجار غير المشروع بالآثار).
غياب التوثيق: غالبًا ما تفتقر القطع المهربة إلى التوثيق الأثري الذي يحدد سياقها الأصلي، مما يفقدها جزءًا كبيرًا من قيمتها العلمية ويصعب تتبعها.
التعقيدات القانونية: تختلف القوانين المتعلقة بالآثار من دولة لأخرى، مما يخلق ثغرات تستغلها شبكات التهريب.
وعلى الرغم من هذه التحديات، أعلنت القاهرة من حين لآخر عن استرداد آلاف القطع الأثرية المسروقة والمهربة. وتُعد “عملية لعنة المومياء” و”عملية يد المومياء” أمثلة على التحقيقات المستمرة التي تقوم بها السلطات الأمريكية بالتعاون مع مصر لاستهداف الشبكات الإجرامية الدولية التي تهرب القطع الثقافية.
دعوة إلى الشفافية والمسؤولية:
إن وجود منصات مثل “Medusa Ancient Art” على الإنترنت يثير تساؤلات جوهرية حول مسؤولية هذه المواقع في التحقق من مصادر القطع التي تبيعها. ففي الوقت الذي يسعى فيه المجتمع الدولي لحماية التراث الثقافي للإنسانية، يجب أن تكون هناك معايير أكثر صرامة للشفافية والمساءلة في سوق تجارة الآثار.
إن المعركة ضد تهريب الآثار هي معركة مستمرة تتطلب تعاونًا دوليًا مكثفًا، وتوعية عامة، وتطبيقًا صارمًا للقوانين، لضمان أن كنوز الحضارات القديمة لا تُصبح مجرد سلع تُباع لمن يدفع أكثر، بل تظل جزءًا من التراث الإنساني المشترك الذي يجب الحفاظ عليه في سياقه الأصلي.
دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ والرئيس السابق للجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، وأحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين





