مقالات

الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (46): مارييت باشا (لص الآثار الذي أنقذ آثار مصر من اللصوص!)

مارييت باشا (أوجست فرديناند فرانسوا مارييت؛ 1821م-1881م) عالم آثار ومصريات فرنسي متعدد المواهب، ويعد أحد أشهر الأجانب الذين ارتبطت حياتهم بآثار مصر. وفي هذا المقال ضمن سلسلة المقالات الإسبوعية عن تهريب الآثار المصرية نتعرف علي الصدفة التي لعبت دور في عشقه لعلم المصريات حين شارك في جرد ميراث ابن عمه المتوفي عالم المصريات، وعلى أثرها انضم إلى متحف اللوفر في باريس 1849م، وفى السنة التالية سافر إلى مصر موفدا من الحكومة الفرنسية بمهمة رسمية بغرض البحث عن أفضل المخطوطات القبطية والسريانية والعربية والإثيوبية وشرائها لضمها في مجموعة بمتحف اللوفر. وصل مصر في عام 1850م، وبدأ فورا في مهمته لتسجيل وزيارة بعض الأديرة القبطية، وشراء بعض المخطوطات القبطية القديمة. ولما وصل إلى الإسكندرية التقى ببطريركها ليساعده؛ ولكنه كان يبغض الأجانب بعدما استطاع أجنبيان قبل هذا التاريخ خداع عدد من القساوسة ونهب مكتبة قبطية تراثية كاملة، ولذا رفض البطريرك التجاوب مع مارييت، مما دفعه نحو تغيير مساره.

مارييت باشامارييت وتغيير المسار:

وتجنبا للعودة المحرجة خالي الوفاض إلى فرنسا، قام بتغيير خطته إلى البحث عن الأثار القديمة، وقام بزيارة قبيلة بدوية والتعرف عليها، وقادته القبيلة إلى سقارة حيث الكثير من الأثار المدفونة. واستهوته آثار مصر فعكف على التنقيب، وأجرى حفائر عظيمة حتى كشف مدفن العجول المقدسة (السرابيوم)، ونقل إلى فرنسا كثيراً مما عثر عليه من العاديات واللوحات الأثرية (فترة اللصوصية 1850م-1854م).  ذكر “بيتر فرانس” (أكاديمي بريطاني) أن مارييت كان يشترى آثار مزيفة يصنعها مصريين محترفين ويقوم بتسليمها بمحاضر تسليم رسمية للحكومة المصرية على آنها آثار مكتشفة ليظهر بمظهر الرجل المخلص الأمين.

بل يذكر بعض الأثريين المصريين عنه أنه وحده أرسل إلى فرنسا حوالي ستة الى سبعة آلاف قطعة أثرية من جبانة سقارة، فما بالنا بالمناطق الأخرى، حتى نعلم مدى الخسارة التي ألحقها هذا الرجل بالآثار المصرية والتاريخ المصري القديم. فمارييت أخرج من مدافن العجل المقدس أبيس وحدها ألف لوحة وتماثيل العجل أبيس الأندر في الحضارة المصرية القديمة كلها، وتماثيل الإله “بس” رمز المرح والضحك، ومئات من تماثيل الأوشابتي. وخلال عمليات نقل الأثار المستمرة من السرابيوم، اكتشف مارييت عدداً من المقابر من عصر الأهرام. وفى إحداها عثر على تمثال الكاتب المصري الجالس الشهير، من عصر الأسرة الخامسة، وحاليا تزين كل هذه الأثار متحف اللوفر بباريس.

العودة الرسمية لإدارة آثار مصر:

وبناءا على توصية الحكومة الفرنسية، عين والي مصر “سعيد باشا” سنة 1858م”مارييت”   مأموراً لأعمال العاديات (الأثار) بمصر وكلفه بإنشاء متحف للأثار المصرية المكتشفة. ودعمه فيما بعد أيضا الخديوي إسماعيل باشا (حكم مصر 1863م-1879م) مما ساعده للقيام بعديد من الاكتشافات الأثرية المهمة (بلغت أكثر من 15 آلف آثر) منها اكتشاف معبد إدفو ومعبد الدير البحري؛ وعديد من التماثيل في غاية الجمال مثل تمثال شيخ البلد وتمثال الأمير “رع حوتب” وزوجته الأميرة “نفرت” وكنز الملكة “اياح حوتب” وتمثال الملك “خفرغ”.  هذا بجانب مساهمته القيمة في نشر مفاهيم الحضارة المصرية القديمة في العالم. ويُعتبر مؤسس علم المصريات الحديث، ويحسب له إنشاء أول متحف آثار في مصر (متحف بولاق عام 1863م)؛ وتنظيم مصلحة الأثار المصرية ومنع التنقيب العشوائي أو تهريب الآثار إلى أوروبا (فترة الحارس الأمين 1858م-1881م). وأشرك مصر في أول معرض آثار عالمي بفرنسا عام 1867م؛ كما نشر العديد من الكتب والمذكرات العلمية حول مصر القديمة.  كما ساعد الخديوي إسماعيل في حفل افتتاح قناة السويس (1869م) بتأليف وإخراج أوبرا “عايدة” واستقبال ضيوف الحفل وعمل برامج سياحية لهم.

اخترنا لك : الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (45): ليبسيوس (سارق النيل الذي ملأ برلين بكنوز مصر!)

انتقادات لأعمال مارييت في مصر:

يوجه كثير من الأثريين بعض النقد الحاد لأعمال مارييت في التنقيب عن الأثار. فيذكرون انه في المجمل العام، كانت مكتشفات مارييت باشا غزيرة وعظيمة، لكن وفرة الإنتاج صاحبها إهمال جسيم وإتباع أساليب متخلفة في الحفر وفقر في معلومات التسجيل. كان مارييت يسعي للحصول على أثار مظهرية تجذب وتعجب المشاهد لمعرضه، ويقدرها الوالي، ولم يتورع في استعمال الديناميت.

وحتى عندما تاب مارييت عن فترة اللصوصية، وتسلم مسؤولية الحفاظ على الأثار المصرية بتولية منصب مأمور العاديات وأيضا أنشأ متحف بولاق. للأسف استمر متحف اللوفر في استقبال آثار مصرية عديدة والتي كانت ترسل بانتظام إلى اللوفر بنظام القسمة بين مصر والبعثات الأجنبية وأيضا انتشر النباشون الفرنسيون في أرض مصر يقلبونها شبراً شبراً، بحثاً عن الآثار المصرية من أقاصي الدلتا شمالاً وإلى الجندل الأول جنوبا (سرقات مشروعة).

أهم القطع الأثرية المصرية التي هربها مارييت إبان فترة اللصوصية والتي ساهمت في إعمار متحف اللوفر هي: تمثال الكاتب الجالس؛ وتمثال أبو الهول الصغير، وتمثال الملك خوفو، وتمثال الملكة حتشبسوت، وتمثال الملك رمسيس الثاني، وتمثال الملكة نفرتاري، وتمثال الإله آمون-رع، وتمثال الملك أحمس الأول وغيرها الكثير والتي ساهمت في إعمار متحف اللوفر، وجعلته أحد أشهر المتاحف في العالم. كما ساهمت في نشر الثقافة المصرية القديمة على نطاق واسع.

هل كان مارييت عنصريا ضد المصريين:

كان مارييت يحث قناصل الدول الأوروبية على ضرورة نقل الآثار المصرية الى بلادهم، نظرا لكره المصرين لها، فخلال المؤتمر الذي عقده بالقاهرة مع نهاية القرن التاسع عشر؛ قال لهم مخاطبا: إن “المصريين جميعا لا يحُبون الآثار القديمة، لذلك يجب إبعاد أولادهم عنها؛ لأنها لا تتماشى مع معتقداتهم الدينية المحافظة، وكي لا يعمد الشباب المصر ي إلى تدمير تلك المقتنيات الأثرية الثمينة الرقيقة، لذلك يجب علينا نحن الأوروبيين نقلها إلى أوروبا للحفاظ عليها”.

ربما هناك أيضا بعض المواقف الغريبة لمارييت ضد تعلم المصريين علم الأثار المصرية (علم المصريات) وتقلدهم مناصب هامة وقيادية في مصلحة الأثار المصرية في بلدهم. فيذكر بعض الأثريين والعلماء المصريين قصة إنشاء أول مدرسة لتعليم المصريين علم المصريات وبدأ تقليدهم مناصب في مصلحة الأثار على يد عالم المصريات الألماني “برجش”، لكن مارييت أصر على إغلاقها، ولم يساعد أبناء البلد لتعلم علوم أجدادهم والمحافظة على تراثهم. وحتى من تعلم منهم حرمهم من العمل في مجال الآثار. بل كان يحرض فئات الشعب على من يعمل من المصريين في هذا المجال ويسلط عليهم أبناء الأزهر بحجة أن تلك الآثار نوع من الكفر البواح.

في تلك الحقبة الزمنية احتكرت الجالية الفرنسية بمصر العمل بمصلحة الآثار المصرية، وعملت على استبعاد أبناء البلد من العمل فيها، وشهدت مصر احتكارا فرنسيا لعلم المصريات، خاصة بعد تعيين أوجست مارييت باشا مديرا لمصلحة الآثار المصرية في أول يونيو عام 1858م في عهد محمد سعيد باشا؛ وهيمن مارييت بقوة على إدارة الآثار المصرية وظل الأمر كذلك لعدة سنوات، وظلت بأيديهم حتى قيام ثورة 23 يوليو 1952م.

التكريم والنهاية:

وتكريمًا لجهوده تم منحه لقب “باشا” من قبل الخديوي إسماعيل. ونال عديد من التكريمات في حياته وبعد وفاته، وحين دنا أجله فضل أن يموت بالقاهرة (18 يناير 1881م) وان يدفن بها، وبالفعل دُفِن جثمانه في ناووس بمدخل متحف بولاق؛ وحاليا استقرت رفاته في فناء المتحف المصري بالتحرير. كما تم تسمية أحد أهم شوارع وسط القاهرة باسمه.

 

 د. قاسم زكي

 أستاذ الوراثة بكلية الزراعة جامعة المنيا،
عضو اتحاد الأثريين المصريين، وعضو اتحاد كتاب مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى