الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (62)… خبيئة الدير البحري: كيف دخلت عائلة عبد الرسول التاريخ؟
حلقة رقم (62) من سلسلة مقالات أسبوعية عن (تهريب الآثار المصرية)
تعتبر عائلة عبد الرسول واحدة من أبرز العائلات التي تركت بصمة واضحة في تاريخ الاكتشافات الأثرية في الأقصر، حيث ارتبط اسمها بالعديد من الاكتشافات الهامة التي كشفت عن أسرار الحضارة الفرعونية. وتعتبر قصتهم نموذج نجاح ملهم، حيث تحولت عائلة بدوية إلى رواد في مجال الاكتشافات الأثرية. ورغم التحديات التي واجهتها، إلا أنها استطاعت أن تثبت للعالم أهمية قيام أهل البلد بالمساعدة في الكشف والحفاظ على التراث الثقافي.
نشأت عائلة عبد الرسول في قرية القرنة غرب الأقصر، وهي قرية اشتهرت بوجود العديد من العمال والفلاحين الذين يعملون في الحقول المجاورة للمقابر والمعابد الفرعونية. وعلى مر الأجيال، اكتسب معرفة واسعة بالتضاريس الجغرافية للمنطقة وأسرار الدفن الفرعوني، مما أهلها للقيام بدور بارز في اكتشاف العديد من المقابر والكنوز الفرعونية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
أهم الاكتشافات التي قامت بها العائلة:
يمكننا أن نذكر اهم الاكتشافات التي ساهمت فيها العائلة، على الرغم انه لم يشار إليهم جيدا في سجلات التاريخ:
خبيئة الدير البحري:
خبيئة الدير البحري: يعد هذا الاكتشاف من أهم وأضخم الاكتشافات الأثرية في تاريخ مصر، حيث تم العثور على مومياوات لعدد كبير من الملوك والملكات الفراعنة، وقطع أثرية عديدة. وتعود قصة الخبيئة لرغبة فراعنة وكهنة آمون للأسرة الحادية والعشرين إلى محاولة إيقاف السرقات والنهب لمقابر ملوك مصر العظام السابقين من الأسر التاسعة عشر والعشرين بوادي الملوك، فقاموا بتجميع مومياوات الفراعنة وكبار الكهنة وتخبئتها في مكان آمن لم يسبق لأحد معرفته. وبالفعل تم حفر بئر (عمقه 10 م، ثم ممر طوله 70م) بجانب معبد حتشبسوت (المعروف بالدير البحري) من الناحية الجنوبية (يطلق علماء الآثار عليها مقبرة (“TT320” لم تصل إليها أيدي اللصوص لأكثر من ثلاثة آلاف عام، ولم يعرف مكانها بشر حتى عام 1871م.
وضمت الخبيئة المومياوات والتجهيزات الجنائزية لأكثر من خمسين شخصية عالية المقام ما بين ملوك وملكات وأمراء ونبلاء من أسرات مختلفة تناوبت على حكم مصر.
أما عن قصة اكتشاف الخبيئة فبدأت في شهر فبراير1871م حيث كان اثنان من عائلة عبد الرسول (قرية شيخ عبد القرنة) يبحثان عن ماعز شردت منهم وقادتهما إلى اكتشاف الكنز، حيث وجدوا تجويف في الأرض قادهم الى بئر ومدخل المقبرة.
انبهروا بكم التوابيت البشرية الخشبية وصناديق الأوشابتى والأواني الكانوبية وبعض الأثاث الجنائزي، وهنا أدركوا أهميتها، فتواعدوا أن يظل هذا الأمر سراً بينهم، وظل هذا سرا منذ عام1871م وحتى عام1881م، واحتفظت به العائلة لنفسها حيث دخلوا المقبرة ثلاث مرات فقط خلال العشر سنوات. وعاشت عائلة عبد الرسول في غني ورغد، فقد استطاعوا أن يبيعوا الكثير من تلك المومياوات والبرديات ومتعلقات الملوك لهواة وتجار الآثار الأجانب. وبدأت تظهر تلك الآثار في أسواق أوروبا مما لفت أنظار الكثير من الأجانب لتلك الآثار وخاصة تلك البرديات الهامة، حتى المسئولين المصريين بدأوا يشعروا بهذا الأمر أيضاً، خاصة أن تلك القطع الأثرية غير مسجلة لدي مصلحة الآثار وبها متعلقات ملكية نادرة.
ودلت التحريات أن مصدر خروج هذه الآثار والبرديات شخصا تؤثره عائلة عبد الرسول بعينه على غيره من العملاء، هذا العميل اسمه “مصطفى أغا آيات” يعمل وكيلا لقنصليات بريطانيا وبلجيكا وفرنسا وروسيا، فكان يتجر في الآثار ويقتنيها مستظلا بالحصانة الدبلوماسية، فطبقا للقانون كان أغا آيات فوق المسائلة القانونية لكن الأخوين عبد الرسول (محمد وأحمد) كانا تحت طائلة القانون. وعندما علم «ماسبيرو»، مدير مصلحة الآثار المصرية آنذاك، أبلغ شرطة آثار الأقصر بما حدث، ثم أرسل مبعوث متظاهرا بأنه سائح ثرى لكي يفعل خديعة بإقناع الأسرة أنه سوف يشتري قطعًا أثرية منهم. وبعد أن نال ثقتهم واشترى منهم، تم اعتقال الأخوين سنة 1881م وأرسلا في أصفادهما الى مدير مديرية قنا لاستجوابهما. لكنهما أنكرا التهمة، ولم تكُن هناك أي إثباتات، فأطلق سراحهما. لكن فيما بعد حدث خلاف بين الأخوة، فأرشد أحدهم رجال الشرطة عن مكان الخبيئة، والتي تمكنت من نقل كل محتوياتها الى متحف بولاق بالقاهرة.
كان بالخبيئة 153 تابوتاً، ومومياوات لملوك عظام حكموا مصر مثل: “سقنن رع”، “أحمس”، “تحوتمس الثالث”، “أمنحوتب الثاني”، “أمنحوتب الثالث”، “سيتي الأول”، “رمسيس الثاني”، وغيرهم، هذا فضلاً عن مومياوات لبعض ملكات وأميرات مصريات، وهي مومياوات معروضة بالمتحف القومي للحضارة حالياً. وقصة اكتشاف الخبيئة تحولت إلى فيلم سينمائي “المومياء” من روائع المخرج المبدع “شادي عبد السلام”.
مقبرة توت عنخ آمون:
اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون وهو ثاني مشاركة لأسرة عبد الرسول في اكتشاف اهم الآثار المصرية، فعلى الرغم من أن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون ينسب إلى البريطاني “هوارد كارتر”، إلا أن عائلة عبد الرسول لعبت دوراً هاماً في مساعدته وتوجيهه إلى العديد من المواقع الأثرية الهامة. لكن ما لا يدركه العالم أجمع، أن أحد العوامل الأساسية وراء هذا الاكتشاف كان بطلا مصريا آخر اسمه حسين عبد الرسول.
فالمؤكد أن شخصين في عائلة عبد الرسول لهما دور بارز في اكتشاف المقبرة. هما حسن عبد الرسول، أحد أبناء الجيل الثاني للعائلة والمنتمي إلى محمد عبد الرسول، الجد الأول للعائلة صاحبة اكتشاف خبيئة الدير البحري، حيث كان حسن رئيس فريق العمال الذين مهدوا لهوارد كارتر اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون. أما ابن عائلة عبد الرسول الثاني المشارك في هذا الاكتشاف، فهو الحفيد حسين عبد الرسول (12 عاما وقتها) والذي كان يساعد عمه وفريقه خلال عمليات الحفر والتنقيب بنقل الغذاء والماء لهم.
ويحكى أن حسين الصغير، وضع دلو المياه الذي كان بحوزته على الأرض فلاحظ أنها غير مستوية، فنادى عمه ورفاقه، ليبدأ الكشف عن أول درج في السلم المؤدى إلى المقبرة الشهيرة، التي تم الكشف عنها كاملا بفضل جهود حسين وعمه حسن.
ويصعب أن تجد صورة توثق اكتشاف المقبرة ونقل مقتنياتها، إلا والشيخ حسن عبد الرسول واقفا إلى جوار كارتر. لكن الرواية التاريخية تغافلت عن دور حسن عبد الرسول؛ والذي ظلم أيضا من كارتر نفسه، حيث غادر مصر عام 1936م ولم يعط حسن مستحقاته المالية لقاء جهده وفقا للمتفق عليه. أما البطل الصغير للقصة، الحفيد حسين عبد الرسول، فقد وضع كارتر «قلادة توت عنخ آمون» حول رقبته، وصوره بها، مستغلا ملامحه المصرية الأصيلة التي جعلت الصورة تنشر بصحف «تايمز» الإنجليزية، وصحيفة «أخبار لندن» المصورة عام 1923م. وتجددت شهرة صورة حسين وقلادة أمون عام 1997م، عندما تم عرضها ضمن معرض “الأقصر قبل 100 عام”.
مقبرة رمسيس الثاني:
ويُذكر أيضًا أن عائلة عبد الرسول يرجع لها الفضل في الكشف عن مقبرة رمسيس الثاني (KV7) بوادي الملوك بالقرنة. حينها رفضوا مكافأة بعشرات الأفدنة، وكان طلبهم أن يتم سك جنيه إنجليزي ذهب توضع فيه صورة عبد الرسول الجد مثل ملكة بريطانيا. وفعلًا تم سك عملة باسمه وتوجد منها نسخة بالمتحف البريطاني.
دور العائلة في المجتمع المحلي:
لم يقتصر دور عائلة عبد الرسول على الاكتشافات الأثرية فقط، بل امتد إلى المجتمع المحلي، حيث كانت تعتبر مرجعاً في كل ما يتعلق بالآثار والتراث الفرعوني. كما قامت العائلة بتدريب العديد من الأجيال الجديدة على أسرار الحفر والتنقيب، مما ساهم في الحفاظ على هذا التراث ونقله إلى الأجيال القادمة.
التحديات التي واجهتها العائلة:
على الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققتها عائلة عبد الرسول، إلا أنها واجهت العديد من التحديات والصعوبات، منها: مواجهة صعوبات في التعامل مع السلطات المصرية، خاصة في بداية القرن العشرين، حيث كانت هناك قيود على التنقيب والحفر. وتعرضت العائلة لضغوط من قبل تجار الآثار لبيع القطع الأثرية التي يتم اكتشافها، مما أدى إلى فقدان العديد من القطع الثمينة. ومع تطور المجتمع المصري وتغير الأولويات، بدأ دور العائلة في التقلص، حيث تحولت عمليات التنقيب إلى مؤسسات علمية متخصصة.

بقلم: دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا؛ ورئيس اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، والرئيس الأسبق للجمعية الأفريقية لعلوم المحاصيل، واحد مؤسسي المجلس العالمي للنبات (GPC)؛ ,عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين.



