لم تعد تجارة المومياوات والرفات البشرية القديمة حكاية تنتمي إلى القرن التاسع عشر، حين كان الأوروبيون يشترون المومياوات المصرية ويفكون لفائفها في حفلات خاصة، أو يطحنون أجزاء منها لاستخدامها في الأدوية والأصباغ. فقد عادت هذه التجارة اليوم في صورة أكثر خفاءً وخطورة، مستفيدة من وسائل التواصل الاجتماعي والمتاجر الإلكترونية ودور المزادات، حيث تُعرض جماجم ورؤوس وأيدٍ وأقدام وأجزاء محنطة من أجساد بشرية كما لو كانت مقتنيات للزينة أو سلعًا غريبة لهواة الجمع.
ولا تقف خطورة هذه التجارة عند انتهاك كرامة الموتى أو احتمال تهريب آثار ذات قيمة تاريخية، بل تمتد إلى تهديد صحة المشترين وعمال البريد والجمارك وكل من يتعامل مع تلك الرفات. وهنا تكتسب أسطورة «لعنة الفراعنة» معنًى مختلفًا؛ فاللعنة الحقيقية قد لا تكون قوة غامضة تنتقم من سارقي المقابر، وإنما أبواغًا فطرية وميكروبات كامنة ومواد كيميائية سامة تختبئ داخل الرفات المحنطة.
سوق شبه سري للرفات البشرية

كشفت دراسة علمية حديثة بعنوان «لعنة المومياء الحقيقية: المخاطر الصحية المرتبطة ببيع الرفات المحنطة والاتجار بها»، نُشرت في دورية International Journal of Cultural Property، (5 أغسطس 2026م) عن تنامي سوق عالمي شبه سري، وغالبًا غير مشروع، لبيع الأجساد المحنطة وأجزائها.
وحلل الباحثون 128 منشورًا وإعلانًا على منصات تابعة لشركة «ميتا»، ومواقع للتجارة الإلكترونية، ومتاجر خاصة، ودور مزادات. ووجدوا أن عددًا كبيرًا من القطع المعروضة يحمل علامات واضحة على التحلل الحيوي وسوء الحفظ، مع غياب شبه كامل للإرشادات المتعلقة بالسلامة أو بطرق التخزين والنقل والتعامل الآمن.
وشملت المعروضات أجسادًا أو أجزاءً بشرية محنطة تنتمي إلى فترات وثقافات متعددة، وليست جميعها مصرية. وكانت الأيدي والأقدام المنفصلة من أكثر الأجزاء المعروضة، إلى جانب الرؤوس والجماجم التي ما زالت تحتفظ ببعض الأنسجة أو الشعر. وبيّنت الدراسة أن الرؤوس بأشكالها المختلفة مثّلت نحو 51.6% من العينة محل الفحص.
إن الإعلان عن هذه الرفات عبر صور جذابة وأسعار محددة يخفي وراءه سلسلة طويلة من الأسئلة: من أين جاءت؟ وهل خرجت من بلدها بطريقة مشروعة؟ وهل نُبشت من قبر أو سُرقت من مخزن أثري أو مجموعة قديمة؟ وهل يحمل البائع مستندات ملكية وتصدير قانونية؟ أم أن المشتري يشارك، من حيث لا يدري أو يدري، في جريمة اتجار بالبشر بعد الموت؟
ما علاقة ذلك بالمومياوات المصرية؟

ارتبطت كلمة «المومياء» عالميًا بمصر القديمة، بسبب براعة المصريين في التحنيط وكثرة ما خرج من المقابر المصرية خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وقد تعامل بعض الرحالة والتجار والقناصل الأجانب مع المومياوات بوصفها موردًا تجاريًا، فنُقلت أعداد كبيرة منها إلى أوروبا، ووصل الاستهتار إلى إقامة حفلات لفك لفائفها أمام المدعوين.
كما استُخدمت مئات المومياوات أو أجزاؤها في أغراض لا علاقة لها بالعلم؛ من تحضير مادة عُرفت باسم «الموميا» الطبية إلى صناعة صبغة «بني المومياء». وبذلك تحوّل الجسد الذي أعده المصري القديم للخلود إلى مادة للبيع والتجريب والفرجة.
وقد تكون بعض الرفات المتداولة حاليًا آتية من مجموعات قديمة افتقرت منذ البداية إلى سجل موثّق، بينما قد تكون قطع أخرى ثمرة تنقيب سري أو تهريب حديث. وهنا تبرز ضرورة مطالبة منصات البيع ودور المزادات بإثبات منشأ كل قطعة، وتاريخ خروجها من موطنها، وسلسلة ملكيتها، بدلًا من الاكتفاء بعبارات غامضة مثل «مجموعة أوروبية قديمة» أو «مقتنيات خاصة».
الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (92)… مومياء «أسرو» تغادر واجهة العرض… فمتى تغادر بريطانيا؟
«لعنة» من الفطريات والسموم
قد تبدو المومياء جافة وخالية من الحياة، لكن الجفاف لا يعني التعقيم. فالرفات المحنطة تستطيع الاحتفاظ بأنواع من الكائنات الدقيقة في حالة خمول لسنوات طويلة، ولا سيما الأبواغ الفطرية. وعندما تُحرّك المومياء أو تُنفض عنها الأتربة أو تُفتح العبوة التي تحتويها، يمكن لهذه الأبواغ أن تنتشر في الهواء وتدخل الجهاز التنفسي.
ومن أخطر الفطريات المرتبطة بالمواد العضوية القديمة أنواع من جنس Aspergillus، قد تسبب داء الرشاشيات، خاصة لدى مرضى ضعف المناعة وأمراض الرئة وكبار السن. وقد أرجعت تقارير علمية وفاة عشرة من بين اثني عشر عالم ترميم شاركوا في فتح مقبرة الملك كازيمير الرابع في بولندا خلال سبعينيات القرن العشرين إلى استنشاق أبواغ فطرية من بيئة المقبرة.
ولا يقتصر الخطر على الميكروبات؛ فقد استُخدمت في أزمنة مختلفة مواد سامة لحفظ الأنسجة البشرية، بينها الزرنيخ والزئبق والرصاص. وقد يؤدي لمس الرفات أو استنشاق الغبار المتصاعد منها إلى التعرض لهذه المواد، خصوصًا عندما تكون المومياء متدهورة ومحفوظة داخل منزل عادي، من دون صندوق محكم أو تحكم في درجة الحرارة والرطوبة أو تهوية ووسائل وقاية شخصية.
هل قتلت اللعنة اللورد كارنارفون؟
ارتبطت «لعنة الفراعنة» بوفاة اللورد كارنارفون، ممول اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون، في أبريل 1923، بعد شهور من فتح المقبرة. وروّجت الصحافة آنذاك أن موته كان انتقامًا من الفرعون الشاب ممن أزعجوا راحته.
والتفسير الطبي الأشهر أن كارنارفون توفي نتيجة عدوى أعقبت جرحًا في الوجه، وربما ساعد ضعف حالته الصحية على تفاقمها. وقد طُرح أيضًا احتمال إسهام فطريات أو كائنات دقيقة داخل المقبرة في إصابته، لكن ذلك لم يُثبت بصورة قاطعة.
ومع ذلك، تكشف الدراسة الجديدة أن الفكرة الشعبية عن «اللعنة» قد تمتلك أساسًا بيولوجيًا عامًا، لا خارقًا للطبيعة. فدخول مكان ظل مغلقًا قرونًا، أو التعامل مع رفات متحللة من دون حماية، قد يعرّض الإنسان لأبواغ وسموم خطرة. إنها ليست لعنة فرعون يطارد مقتحمي قبره، بل نتيجة طبيعية للجهل بقواعد السلامة الحيوية.
الخطر يصل إلى عمال البريد والجمارك
المشكلة أن المخاطر لا تصيب الجامع أو التاجر وحده. فالرفات تُشحن أحيانًا عبر البريد العادي في طرود لا تكشف حقيقة محتوياتها. ولذلك قد يتعامل معها عمال المخازن والسائقون والعاملون في المطارات ومراكز الفرز والجمارك من دون قفازات أو أقنعة أو أي معرفة بالخطر المحتمل.
وقد تتمزق العبوة أو تتسرب منها الأتربة والمواد العضوية، فيتحول الطرد الأثري المهرب إلى مصدر تعرض بيولوجي وكيميائي عابر للحدود. ومن ثم فإن مواجهة التجارة تتطلب تعاون سلطات الآثار والصحة والجمارك والبريد والشرطة الدولية، لا أن تظل القضية محصورة في خبراء التراث وحدهم.
احترام الموتى وحماية الأحياء
الاتجار بالمومياوات ليس مجرد مخالفة لقوانين الآثار، بل اعتداء على كرامة إنسان عاش يومًا وكانت له هوية وأسرة ومجتمع ومعتقدات. ومن غير المقبول أن تتحول رفاته إلى قطعة زينة في غرفة خاصة أو خلفية مثيرة لمقطع على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتقتضي المواجهة حظر بيع الرفات البشرية عبر المنصات الإلكترونية من دون وثائق قانونية وعلمية مكتملة، وإلزام دور المزادات بإعلان تاريخ الملكية والمنشأ، وتدريب العاملين في الجمارك والبريد على اكتشاف الشحنات والتعامل معها، وإجراء فحوص ميكروبية وكيميائية للرفات قبل نقلها أو عرضها. كما يجب إخضاع المجموعات الخاصة للمراجعة، ورد القطع المهربة إلى دولها الأصلية، وفي مقدمتها المومياوات المصرية التي خرجت في ظروف استعمارية أو غامضة.
إن «لعنة الفراعنة» الحقيقية ليست قصة سحرية كُتبت على جدار مقبرة، بل منظومة من الجشع والتهريب والاستهانة بحرمة الموتى، تضاف إليها أخطار علمية يمكن أن تصيب الأحياء. وربما تكون الرسالة الأهم أن المومياء ليست سلعة، وأن احترامها وإعادتها إلى سياقها التاريخي والإنساني يمثلان حماية للتراث، وصونًا لكرامة الموتى، ووقاية لصحة الأحياء في الوقت نفسه.
المصادر: الدراسة المنشورة في International Journal of Cultural Property، وتغطية صحيفة The Guardian، 11 أغسطس 2026م.
دكتور قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، وعضو اتحاد كتاب مصر واتحاد الآثاريين المصريين والرابطة العربية للإعلاميين العلميين






