الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (95)… من يربح حين يُباع التاريخ؟
تهريب الآثار المصرية من الحفر خلسة إلى البيع بالملايين، تكشف رحلة الأثر المهرّب كيف يربح الوسطاء من إخفاء مصدره، بينما تتحمل مصر كلفة استرداده وتفقد جزءًا من تاريخه.
في يوليو ٢٠١٧، اشترى متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك تابوتًا مصريًا مذهّبًا مقابل ثلاثة ملايين ونصف المليون يورو. حمل التابوت اسم الكاهن المصري «نِجِم عنخ»، وصحبته وثيقة بدت كأنها ترخيص مصري بتصديره عام ١٩٧١. وبعد الشراء، كشفت تحقيقات الادعاء في مانهاتن أن الترخيص مزوّر، وأن التابوت استُخرج خلسة من مصر عام ٢٠١١، ضمن قضية تهريب الآثار المصرية، وفي عام ٢٠١٩ عاد التابوت إلى مصر. وبين خروجه وعودته، تكشّفت آلية تستحق أن يتأملها كل من يتابع الأسواق: كيف يكتسب شيء مسروق سعرًا بالملايين حين يجد من يصنع له تاريخ ملكية قابلًا للتصديق؟
كيف يرتفع السعر كلما ابتعد الأثر عن موطنه؟
قد تبدأ الرحلة بحفرة تُفتح ليلًا في موقع أثري، أو بسرقة قطعة من مخزن أو من موقع مفتوح. ثم يدخل الوسطاء، ولكل منهم دور في نقل القطعة أو العثور على مشترٍ أو إعداد أوراق تبرّر حيازتها. وكلما انتقلت القطعة من يد إلى أخرى، أمكن أن تبتعد رواية البائع عن واقعة النهب الأولى. وعندما تُعرض في السوق بوصفها جزءًا من «مجموعة خاصة قديمة»، يصبح على المشتري أن يتحقق ممن امتلكها بالفعل، ومتى خرجت من بلدها، وما المستندات التي تثبت ذلك. وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، في دراسته لقضية التابوت، دور الوسطاء وتزوير وثائق المصدر في إخفاء منشئه.
في أسواق السلع المعتادة، تساعد مستندات المنشأ والشحن على معرفة مصدر البضاعة والتحقق من مسارها. وفي سوق الآثار، يؤدي سجل الملكية وظيفة إضافية، إذ يؤثر في استعداد المشتري لدفع ثمن مرتفع. فالقطعة النادرة التي تبدو أوراقها سليمة أسهل تداولًا من قطعة يحيط الغموض بتاريخها. ومن هنا تأتي القيمة التي يمنحها المهرّب لوثيقة مزوّرة. فهي قد تفتح باب البيع وتمنح المشتري شعورًا زائفًا بالأمان. وحين ينكشف التزوير، قد يخسر المشتري القطعة التي دفع ثمنها، ويتحمّل المتحف أو دار المزاد تبعات تمس سمعته وثقة الجمهور به.
فاتورة تدفعها مصر مرتين

الخسارة الأولى تقع لحظة انتزاع القطعة من موضعها. قد يعرف عالم الآثار من ترتيب الأواني داخل مقبرة كيف جرت طقوس الدفن، وقد تساعده طبقة من التراب أو بقايا نباتية بجوار إناء في تأريخ الموقع أو فهم غذاء سكانه. وعندما يقلب الحفر العشوائي هذه الطبقات ويبعثر محتوياتها، تضيع صلة القطعة بما حولها. قد تستعيد مصر الإناء يومًا وتعرضه في متحف، لكن موضعه الأصلي وما جاوره من شواهد قد يتعذر استعادتهما.
أما الخسارة الثانية فتظهر في كلفة الملاحقة. فملف الاسترداد قد يتطلب خبراء لمضاهاة الصور والنقوش، ومراجعة سجلات قديمة، وترجمة مستندات، وتنسيقًا بين جهات مصرية وسلطات أجنبية. وقد تمتد هذه الجهود سنوات. وفي الوقت نفسه، يُحرم الموقع الأصلي من فرصة تقديم حكاية أكمل للزائر. وفي قرى الصعيد، مثلًا، يمكن أن تمتد استفادة الزيارة من المرشد إلى صاحب وسيلة النقل والحرفي ومقدم الضيافة. وتزداد فرصة هذه المجتمعات في الانتفاع بالسياحة حين يُصان الموقع ويصبح جزءًا من برنامج زيارة يربط الأثر بالقرية التي تحتضنه.
ويصعب اختزال هذه الفاتورة في رقم سنوي واحد. فقيمة القطع المضبوطة تعكس ما وصل إلى يد السلطات، بينما تبقى صفقات أخرى خارج السجلات المتاحة. وحتى في القضايا الموثقة، يجيب سعر البيع عن سؤال محدد هو مقدار ما دفعه المشتري. أما كلفة تلف الموقع وضياع المعلومات والوقت الذي استغرقه الاسترداد، فتحتاج إلى حساب منفصل.
حماية الموقع تبدأ قبل المزاد
توفّر اتفاقية اليونسكو لعام ١٩٧٠ إطارًا للتعاون الدولي في مواجهة الاستيراد والتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة. وعلى مستوى كل قضية، تساعد الصور المؤرخة وأرقام الجرد وأوصاف النقوش ومواضع التلف في التعرّف على القطعة عند ظهورها. لذلك فإن تصوير المقتنيات وتحديث سجلات المخازن وتأمين المواقع أعمال تؤثر مباشرة في قدرة الدولة على إثبات مصدر الأثر والمطالبة بعودته. وتوضح قضية «نِجِم عنخ» قيمة التحقق من وثيقة التصدير لدى الجهة التي يُفترض أنها أصدرتها.
الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (94)… فلاح الغربية ورمسيس الثاني… مكافأة الأمانة تحمي آثار مصر
وتقع مسؤولية مماثلة على الطرف الذي يعرض القطعة للبيع. فدار المزاد تستطيع طلب تسلسل موثّق للملكية قبل إدراج القطعة في كتالوجها، والمنصة الإلكترونية تستطيع الاحتفاظ ببيانات الإعلان وإتاحة الإبلاغ عن القطع المشتبه فيها، والمتحف يستطيع تعليق الشراء حين تظهر فجوة جوهرية في السجل. وكلما طُبّقت هذه الإجراءات قبل دفع الثمن، ضاقت فرص الوسيط في تحويل الحيازة الغامضة إلى صفقة مربحة.
وبالقرب من المواقع، تستطيع المجتمعات المحلية أن تؤدي دورًا مبكرًا في الحماية إذا وجدت قنوات واضحة للإبلاغ عن الحفر المشبوه، ورأت أثر الزيارات المنظمة في فرص العمل والخدمات. فالقرية التي يعرف أبناؤها تاريخ موقعها ويجد بعضهم عملًا في إرشاد زواره أو خدمته تملك أسبابًا ملموسة للمشاركة في صونه.
لقد عاد تابوت «نِجِم عنخ» إلى مصر بعدما سقطت الرواية التي رافقته إلى السوق. وتبقى العبرة الاقتصادية في توقيت كشفها. فالسؤال عن مصدر القطعة قبل الشراء قد يمنع صفقة واحدة، لكن تكرار هذا السؤال في كل مزاد ومتحف ومنصة يضيّق السوق التي يعتمد عليها من يبدأ رحلته بحفرة في أرض مصر.






