مقالات

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (٨٠).. المزاد المباشر (LiveAuctioneers) عندما تتحول الآثار المصرية إلى نقرات مزاد مباشر

طفي عصر تحكمه السرعة وتتحرك فيه الأسواق بلمسة إصبع، لم تعد تجارة وتهريب الآثار المصرية حكرًا على صالات المزادات المغلقة أو الحفلات الخاصة لكبار الأثرياء. اليوم، يكفي أن تمتلك حاسوبًا أو هاتفًا محمولًا لتدخل عالمًا سريًا وواسعًا من بيع التاريخ.

ومن بين أبرز هذه النوافذ الرقمية، يبرز موقع LiveAuctioneers، بوصفه واحدًا من أكبر منصات المزادات الإلكترونية، التي تعرض بشكل شبه دوري قطعًا آثرية مصرية تتراوح بين التمائم وأوشابتي، إلى التوابيت وأجزاء من تماثيل تعود إلى آلاف السنين.

واجهة أنيقة… وسوق غير مرئية

عند الدخول إلى الموقع، يبهرك التصميم البصري الأنيق، وعناوين مثل “فن قديم”، “قطع آثرية نادرة”، و”اكتشافات من الحضارات القديمة”. لكن خلف هذا الهدوء الإلكتروني، تُعرض قطع آثرية يُفترض أنها محمية بقوة القانون المصري والدولي. بضغطة زر، يمكنك المزايدة على تمثال فرعوني صغير، أو لوحة جنائزية من الدولة الحديثة، أو حتى غطاء لتابوت فرعوني بزخارف جنائزية واضحة. ولا يسألك الموقع عن خلفيتك القانونية، أو مدى أحقيتك في حيازة هذه القطعة. يكفي أن تسجّل باسمك وبطاقة ائتمانك، لتدخل مزادًا يتعامل مع التاريخ كما يتعامل مع التحف الأوروبية أو الأثاث العتيق.

من يبيع؟ ومن يشتري؟

تتعامل منصة LiveAuctioneers مع مئات صالات المزادات الصغيرة حول العالم، من أمريكا إلى أوروبا وحتى جنوب إفريقيا. معظم هذه الصالات تعمل وفق قوانين محلية لا تُلزمها بالكشف عن سجل منشأ القطع الآثرية أو كيفية خروجها من بلادها الأصلية.واللافت أن الموقع لا يبيع مباشرة، بل يعمل كوسيط رقمي يسمح لتلك الصالات بعرض القطع والتواصل مع المزايدين حول العالم. أي أن شبكة LiveAuctioneers ليست فقط مزادًا، بل منظومة متكاملة تسمح بمرور قطع آثرية عبر قنوات يصعب تتبعها قانونيًا.

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية آثار مصرية معروضة للبيع: أمثلة حقيقية

في مارس 2024م، عرضت إحدى صالات المزادات الأمريكية، عبر LiveAuctioneers، تميمة مصرية من العقيق تعود للعصر المتأخر، بسعر ابتدائي قدره 1200 دولار. وفي ديسمبر 2023م، ظهرت لوحة حجرية منقوشة بكتابة هيروغليفية، قُدّر عمرها بـ3000عام، ووُضعت للمزاد دون توثيق رسمي أو إثبات قانوني بخروجها من مصر.

والأخطر أن بعض القطع المعروضة تتضمن رموزًا جنائزية تشير إلى مقابر ملكية أو معابد مقدسة، ما يعني أنها لم تكن يومًا متداولة خارج الإطار الديني أو الجنائزي الفرعوني، مما يُعزز الشكوك حول تهريبها مؤخرًا.

ما موقف الموقع من شرعية القطع؟

رغم أن المنصة تضع في شروط الاستخدام بندًا يقول إنها “تلتزم بقوانين التجارة الأمريكية”، إلا أنها تُخلي مسؤوليتها من أصل القطع وتلقي بالعبء على صالات المزادات المحلية. بمعنى آخر، الموقع يقول ضمنيًا: نحن نعرض فقط، ولسنا مسؤولين عن مصدر المعروضات.

هذا الموقف القانوني الملتوي يمنح غطاءً “نظيفًا” لتداول القطع الآثرية، رغم الشبهات المحيطة بها، ويسمح لمئات القطع بالخروج من مصر وتغيير ملكيتها دون تدخل الجهات الرقابية.

أين القانون الدولي؟

وفقًا لاتفاقية اليونسكو لعام 1970، فإن بيع وشراء القطع الآثرية التي خرجت من دولها دون إذن رسمي يُعد انتهاكًا للمعايير الدولية. لكن للأسف، لا تمتلك اليونسكو أو الإنتربول القدرة التنفيذية المباشرة لإجبار منصات الإنترنت مثل LiveAuctioneers على وقف هذا النوع من التجارة. ويعود ذلك إلى أن قوانين الدول المستضيفة (مثل الولايات المتحدة) لا تُجرّم دائمًا حيازة القطعة، بل تهريبها فقط.

وبالتالي، بمجرد أن تصل القطعة إلى المزاد الأمريكي، تصبح “شرعية” بحكم الأمر الواقع، ولو كانت قد خرجت من الأقصر أو الجيزة في صندوق مهرب عبر البحر!

الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (79)…ميدوسا للفن (Medusa Art): سوقٌ رقمي لبيع الذاكرة الأثرية المصرية

ردود مصرية ودولية… لكنها خافتة

رغم النجاحات المتكررة لوزارة السياحة والآثار المصرية في استرداد قطع آثرية خلال السنوات الأخيرة، فإنها تواجه صعوبة في التعامل مع المزادات الإلكترونية السريعة والعابرة للحدود. كما أن تقديم شكاوى ضد مزاد رقمي غالبًا ما يصطدم بحائط البيروقراطية القانونية، ويستغرق شهورًا، في حين تكون القطعة قد بيعت وتغيرت ملكيتها بالفعل.

في 2022م، خاطبت مصر رسميًا إحدى صالات المزادات الأمريكية بشأن تمثال أثري كان معروضًا عبر المنصة، وطالبت بإيقاف المزاد مؤقتًا. لكن الرد كان باردًا: “نحن نلتزم بالقوانين الأمريكية“.

ماذا نفعل إذًا؟

أولًا، يجب الاعتراف بأن السوق الرقمية لتجارة الآثار باتت واقعًا لا يمكن إنكاره، وأن مواجهتها تتطلب آليات أكثر مرونة وتعاونًا دوليًا حقيقيًا.

ثانيًا، على مصر أن تُطوّر قاعدة بيانات رقمية شاملة تُوثق فيها كل القطع الآثرية المسروقة والمبلغ عنها، لتستخدمها عند تقديم الشكاوى الرسمية.

ثالثًا، لا بد من العمل على تعديل القوانين الدولية بحيث تصبح “حيازة” القطع غير الموثقة جريمة، وليس فقط تهريبها.

الختام: المزاد بنقرة… والنهب بصمت

في عالم LiveAuctioneers، لا يحتاج لصوص التاريخ إلى حمل المعاول والحفر ليلًا، بل يكفيهم أن يحملوا هواتفهم ويتصلوا بمن يعرف الطريق. فالتاريخ اليوم يُباع بواجهة إلكترونية جذابة، وسجلات ضبابية، و”نقرة مزاد” واحدة قد تنقل قطعة من آثار مصر من صعيدها العريق إلى مخزن في كاليفورنيا… دون أن يسأل أحد: من أين جاءت؟

بقلم: د. قاسم زكي

أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى