غير مصنفمقالات

الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (34): متحف بتري للأثار المصرية: كنوز مصر في قلب لندن

في هذه الحلقة من سلسة مقالات عن تهريب الآثار المصرية، نتحدث عن متحف بتري للآثار المصرية (Petrie Museum of Egyptian Archaeology) ؛ هو أحد المتاحف التابعة لكلية لندن الجامعية في العاصمة البريطانية لندن. يضم واحدة من أكبر وأهم مجموعات الآثار المصرية والسودانية في العالم، والتي تحكي قصص الأشخاص الذين عاشوا في وادي النيل في الماضي.  سُمي المتحف على اسم عالم الآثار البريطاني الشهير سير ويليام ماثيو فليندرز بيتري (William Matthew Flinders Petrie، 1853م-1942م)، الذي يُعد من أوائل الرواد في تطبيق المنهج العلمي في علم الآثار، وكان مغرمًا بالحضارة المصرية، إذ أجرى عشرات الحفريات من الدلتا وحتى النوبة، وجمع خلالها مقتنيات لا تقدر بثمن.  ويضم المتحف أكثر من 80 ألف قطعة أثرية مصرية، وبذلك يمثل ثالث أكبر متحف عالمي يحوي آثار مصرية بعد المتحف المصري بالتحرير ومتحف برلين. ولقد تأسس المتحف ليكون بمثابة معمل تجريبي لقسم الآثار واللغة المصرية القديمة بجامعة لندن الجامعية بالتزامن مع تأسيس قسم علم المصريات في نفس الجامعة عام 1892م.

مساهمة بتري:

قام بيتري بالتنقيب في عشرات المواقع الرئيسية خلال مسيرته المهنية (43 عاما في مصر)، بما في ذلك مقابر العصر الروماني في هوارة، المشهورة بلوحات المومياوات الجميلة على الطراز الروماني الكلاسيكي (وجوه الفيوم)؛ وتل العمارنة، ومدينة الملك أخناتون، وأول هرم حقيقي في ميدوم، حيث اكتشف بعضًا من أقدم الأدلة على التحنيط.

في العام 1913م، باع بيتري مجموعته الكبيرة من الآثار المصرية إلى جامعة لندن، مما أدى إلى إنشاء واحدة من أكبر مجموعات الآثار المصرية خارج مصر. تم ترتيب المجموعة والمكتبة في صالات عرض داخل الجامعة، كما نُشر دليل إرشادي عام 1915م. كان معظم الزوار من الطلاب والأكاديميين؛ ولم تكن مفتوحة للجمهور آنذاك.

تقاعد بيتري من جامعة لندن عام 1933م، إلا أن خلفاءه واصلوا إضافة المزيد إلى المجموعات، والتنقيب في مناطق أخرى من مصر والسودان.

خلال الحرب العالمية الثانية (1939م-1945م)، جُمعت المجموعة ونُقلت من لندن لحفظها. في أوائل خمسينيات القرن العشرين، أُعيدت ووُضعت مؤقتًا في إسطبل سابق، حيث لا تزال قائمة حتى اليوم.

ولقد قام أساتذة قسم المصريات الذين خلفوا بيتري بعد تقاعده عام 1933م بتزويد مقتنيات المتحف وتوسيعه؛ وعندما ضاق الموقع القديم للمتحف عن مقتنياته؛ تم نقله إلى موقعه الحالي بجوار مكتبة العلوم التابعة للكلية الجامعية.

متحف بتري اليوم:

يضم متحف بتري حاليا حوالي 80,600 (ثمانين ألف وستمائة) قطعة أثرية، مما يجعله أحد أكبر وأهم مجموعات الآثار المصرية والسودانية في العالم.

مقتنيات متحف بتري:

تُجسّد مجموعات متحف بتري جميع جوانب الحياة على امتداد وادي النيل: الفراعنة والناس العاديون، والأطفال، والحرفيون، والحيوانات، والنباتات عبر آلاف السنين. مجموعاته كبيرة العدد، صغيرة الحجم، تُتيح طريقةً حميمةً وعميقةً للتفاعل مع كمٍّ هائلٍ من التاريخ الإنساني المشترك.

أصبح تصدير الآثار من مصر والسودان غير قانوني، وتوقفت مجموعة المتحف عن النمو. وقد تم الاعتراف بأهميتها رسميًا عام 1998م عندما صنّفتها حكومة المملكة المتحدة على أنها “ذات أهمية استثنائية”. وبمساعدة التمويل الحكومي، أتاح المتحف المجموعة كاملةً في كتالوج إلكتروني.

مجموعة متحف بيتري مليئة بـ “الأوائل“:

أقدم ثوب منسوج – ثوب طرخان (نسيج من الكتان محفوظ بعناية، يعود إلى عصر ما قبل الأسرات، يُظهر البراعة الفائقة للمصريين في صناعة الأقمشة قبل أكثر من خمسة آلاف عام).

  • أقدم تمثيل للنسيج.
  • أقدم مثال على المعدن من مصر: أول حبات الحديد المصنعة.
  • أقدم “ختم أسطواني” في مصر (حوالي 3500 قبل الميلاد).
  • واحدة من أقدم قطع الكتان من مصر (حوالي 5000 قبل الميلاد).
  • أقدم الوصايا على ورق البردي، وأقدم بردية في طب النساء، والبردية البيطرية الوحيدة من مصر القديمة.
  • أكبر رسم معماري يظهر ضريحًا (حوالي 1300 قبل الميلاد).
  • تُعدّ الأزياء من أبرز القطع في المجموعة. فبالإضافة إلى “أقدم فستان”، يوجد فستان فريد من نوعه من الخرز الشبكي لراقصة من عصر الأهرام، حوالي عام ٢٤٠٠ قبل الميلاد، وعباءتان بأكمام طويلة من نفس التاريخ؛ ودرع من قصر ممفيس، بالإضافة إلى صنادل وجوارب محبوكة من العصر الروماني.
  • تضم المجموعة أعمالاً فنية بارزة من مدينة أخناتون في تل العمارنة: بلاطات ملونة، ومنحوتات، ولوحات جدارية، بالإضافة إلى العديد من المستوطنات المصرية والنوبية المهمة ومواقع الدفن. ويضم المتحف أكبر مجموعة في العالم من صور المومياوات الرومانية (من القرن الأول إلى القرن الثاني الميلادي).
  • جمجمة تحمل آثار جراحة ناجحة (ربما أغرب ما في المتحف هو جمجمة لإنسان قديم أُجريت له عملية “ثَقب الجمجمة”، ويبدو أنه نجا من الجراحة، ما يقدم دليلًا نادرًا على تطور الطب الفرعوني).
  • لوحات مقابر (Stelae): منقوشة بدقة من عصور مختلفة، تحمل كتابات هيروغليفية وصلوات وأدعية للآلهة، وتعد مرجعًا مهمًا لفهم الطقوس الجنائزية والعقائد الدينية.
  • علاوة على هذه المعالم البارزة، تكتسب المجموعة أهمية فريدة، إذ إن الكثير منها مأخوذ من حفريات موثقة. تُقدم هذه المجموعة الكبيرة من القطع الأثرية (التمائم، والخزف، والأشياء اليومية، والأدوات والأسلحة، والأوزان والمقاييس، والأواني الحجرية، والمجوهرات) رؤية فريدة لكيفية عيش الناس ومماتهم في وادي النيل.

ليس مجرد متحف… بل مؤسسة تعليمية:

إلى جانب كونه معرضًا للزوار، يعمل المتحف كمركز بحثي وتعليمي يخدم الباحثين والطلاب من أنحاء العالم، حيث تُستخدم مقتنياته في دراسة جوانب دقيقة من الحضارة المصرية، مثل تطور الخط، والنسيج، والعمارة، والطقوس الدينية. فلا يقتصر دور متحف بتري على العرض فحسب، بل يُعد مركزًا بحثيًا وتعليميًا متقدمًا، يستخدمه طلاب وعلماء المصريات من شتى بقاع الأرض. كما يُتيح للزوار رؤية تفاصيل الحياة اليومية في مصر القديمة، من أدوات الزراعة والطهي، إلى الألعاب والتمائم والطب.

ما بين الحفظ والحق التاريخي:

رغم الفخر العلمي الذي تمثله مجموعة متحف بتري، إلا أن وجود هذه الكنوز المصرية في الخارج يفتح الباب دائمًا للنقاش حول قضية استعادة الآثار المنهوبة، وحماية التراث الوطني، وهو نقاش مشروع في ظل تزايد الوعي العالمي بأهمية حفظ الإرث الثقافي في سياقه الأصلي.

دكتور قاسم زكى؛

 أستاذ الوراثة بكلية الزراعة جامعة المنيا،

عضو اتحاد الأثريين المصريين، وعضو اتحاد كتاب مصر

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى