عمر عبد الحميد يكتب.. تعميق الصناعة… من ملف اقتصادي إلي قضية أمن قومي
لم تعد قضية تعميق الصناعة الوطنية مجرد ملف اقتصادي قابل للتأجيل، بل أصبحت اليوم إحدى الركائز الأساسية للأمن القومي للدول، خاصة في عالم لم يعرف الاستقرار منذ سنوات.
فمن جائحة كورونا، إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى التوترات المتصاعدة في منطقة الخليج والحديث المتكرر عن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، تتوالى الأزمات العالمية بوتيرة تكشف أهمية تعميق الصناعة المحلية وتوفير المنتجات الأساسية لفترات مناسبة داخل حدود الدول.
وعلى مدار عقود، تعاقبت الحكومات على إطلاق خطط واستراتيجيات لتوطين الصناعة وتعميق المكون المحلي، مع تشكيل لجان وهيئات وإصدار تشريعات متعددة، إلا أن النتائج على أرض الواقع لم ترتقِ بعد إلى حجم التحديات.
صحيح أن أي دولة في العالم لا تستطيع تحقيق الاكتفاء الكامل بنسبة 100%، لكن امتلاك حد أدنى من القدرة الإنتاجية في القطاعات الحيوية لم يعد خيارًا اقتصاديًا، بل ضرورة استراتيجية لحماية الأمن الغذائي والصحي والصناعي.
الأزمات العالمية الأخيرة قدمت دروسًا قاسية، بدأت بجائحة كورونا والحرب الروسية، واليوم، تعود المخاطر الجيوسياسية لتفرض نفسها من جديد عبر التوترات في منطقة الخليج، وإغلاق شريان الحياة للاقتصاد العالمي (مضيق هرمز)، والذي انعكس بصورة فورية علي تكاليف الشحن والطاقة وأسعار السلع حول العالم، لتجد الدول المستوردة نفسها أمام موجات تضخم وضغوط معيشية متلاحقة.
في هذا السياق، يصبح تعميق الصناعة الوطنية بمثابة “خط دفاع اقتصادي” ضد الصدمات الخارجية فالدول التي تمتلك قاعدة صناعية قوية تكون أكثر قدرة على امتصاص الأزمات، والحفاظ على استقرار الأسواق، وتأمين احتياجات المواطنين الأساسية دون التعرض لهزات عنيفة في الأسعار أو نقص السلع.
وفي مصر، شهد قطاع الصناعات الغذائية تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى زيادة الطاقات الإنتاجية أو نمو الصادرات، كما بدأت قطاعات الصناعات الهندسية، ومعدات التصنيع الغذائي، والتعبئة والتغليف، والسيور وأنظمة المناولة، في تحقيق تقدم تدريجي يعكس وجود قاعدة صناعية قابلة للنمو.
لكن رغم هذا التطور، لا تزال الفرص المتاحة أكبر بكثير من حجم الإنجازات الحالية فمصر ما زالت تصدر جانبًا كبيرًا من إنتاجها الزراعي في صورته الخام، بينما تحقق الصناعات الغذائية التحويلية والقيمة المضافة أعلى العوائد الاقتصادية عالميًا.
عمر عبد الحميد يكتب: الأسئلة المشروعة في أزمة “إيفر جرو” (2)… ضعف الإفصاح يفاقم الغموض


