مقالات

الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (٨١): موقع الموارد القديمة (Ancient Resource) لتجارة الآثار المصرية المهربة

تعتبر تجارة الآثار المصرية المهربة قضية معقدة تتميز بمزيج من الأنشطة المشروعة وغير المشروعة، والتي يشار إليها غالبًا باسم السوق «الرمادية»، يزدهر هَذَا السوق بسبب الطلب عَلَى الآثار، الَّتِي غالبًا ما يتم الحصول عليها من خلال عمليات التنقيب غير القانونية ثُمَّ يتم تهريب الآثار المصرية، وغسلها لاحقًا لتبدو شرعية، توضح الأقسام التالية الجوانب الرئيسية لهذه التجارة.

موقع Ancient Resource:

هناك دومًا جدل حول تجارة الآثار المصرية المهربة عَلَى الإنترنت فِي عالم يتزايد فيه الوعي بأهمية حماية التراث الثقافي، تظل تجارة الآثار غير المشروعة تشكل تحديًا عالميًا، وعلى الرغم من الجهود الدولية والمحلية لمكافحة تهريب القطع الأثرية، تستمر بعض المنصات الإلكترونية فِي عرض وبيع ما يُشتبه فِي كونه كنوزًا خرجت بطرق غير قانونية من دولها الأصلية، ومن بين هَذِهِ المنصات، يبرز موقع “Ancient Resource” كنموذج يثير الجدل حول مصادر آثاره، لا سيما المصرية منها.

يُعرّف موقع “Ancient Resource” نفسه بأنه مصدر لبيع القطع الدكتور قاسم زكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية الأثرية القديمة، ويُديره الأمريكي “غابرييل فاندفورت، ويزعم الموقع أنه يحصل عَلَى قطعه الأثرية من مزادات عالمية ومتاحف كبرى فِي أوروبا وأمريكا، ويؤكد التزامه بالقوانين الدولية المتعلقة بتجارة الآثار، مشيرًا إلَى أَنَّ جميع القطع المصرية لديه تم تصديرها بشكل قانوني من مصر قبل اتفاقية اليونسكو لعام 1970، وأنها تأتي من مجموعات أمريكية وأوروبية قديمة، أَوْ من مقتنيات متاحف سابقة، أَوْ من المزادات.

موقع Ancient Resource يملكه الأميركي جابرييل فاندفورت (Gabriel Vandervort):، وهو:

هَذَا الموقع يدار من لوس أنجلوس (كاليفورنيا) مُنْذُ التسعينيات، ويُعدّ وكالة دولية لشراء وبيع القطع الأثريةوالعملات القديمة من أوروبا وأمريكا وأستراليا ومتاحف ومزادات مرموقة.
فاندفورت بدأ فِي بيع وشراء القطع مُنْذُ التسعينيات، له حضور إعلامي فِي برامج وثائقية وتاريخية، منها Curse of Oak Island، وله خلفية فِي صناعة الأفلام الوثائقية لقنوات مثل History Channel وDiscovery.

هل القطع أصلية وقانونية؟

يضمن الموقع أَنَّ كل قطعة تُباع هي “أصلية”، “قانونيًا وأخلاقيًا مكتسبة”، و”ليست مقلدة”، مع شهادات مصحوبة بوصف مفصل وثقافة تاريخية.
يتم توثيق القطع بعبارات مثل: «authenticated and legally acquired… from old collections،museum deaccessions، auction houses and institutions».

واجهة قانونية… وشبهات مستمرة:

يعرض الموقع مجموعة واسعة من الآثار المصرية، تشمل تماثيل، وأقنعة، وتمائم، وحلي، وأسلحة بدائية، وعملات نقدية، بالإضافة إلَى مجموعة من كتان المومياوات. ورغم تأكيدات الموقع عَلَى شرعية مصادرها، فإن وجود مثل هَذِهِ القطع فِي السوق المفتوحة، خَاصَّةً تلك الَّتِي لا تملك “سلسلة حيازة” (Provenance) واضحة وموثقة مُنْذُ اكتشافها، يثير دَائِمًا علامات استفهام لدى الأثريين والمنظمات المعنية بحماية التراث.
تُعد قضية “سلسلة الحيازة” حجر الزاوية فِي تحديد شرعية القطعة الأثرية، فالقطعة الَّتِي تفتقر إلَى سجل موثق يوضح كيفية خروجها من موقعها الأصلي، ومن ثُمَّ انتقال ملكيتها عبر الأيدي المختلفة بشكل قانوني، تُعتبر عرضة للشبهات بأنها قَدْ تكون نتاج حفريات غير مشروعة أَوْ سرقة.

مصر تواجه تهريب الآثار المصرية  الرقمي:

تواجه مصر، كواحدة من أغنى الدول بالآثار، تحديًا مستمرًا فِي مكافحة تهريب كنوزها، ورغم الجهود الكبيرة الَّتِي تبذلها وزارة السياحة والآثار المصرية، بالتعاون مع الشرطة الدولية (الإنتربول) والجهات القضائية فِي الدول الأخرى، لاستعادة القطع المهربة، فإن العملية غالبًا ما تكون معقدة وطويلة.
تعتمد شبكات التهريب الحديثة بشكل متزايد عَلَى الإنترنت والمنصات الإلكترونية لتصريف الآثار المسروقة، فالمواقع الَّتِي تبيع الآثار، حَتَّى لو ادعت الشرعية، يمكن أَنْ تكون جزءًا من دورة غسيل الآثار، حَيْثُ يتم إضفاء الشرعية عَلَى القطع المنهوبة من خلال بيعها فِي المزادات العلنية أَوْ عبر تجار يدعون “حسن النية“.

تحديات الاسترداد والجهود المبذولة (تكمن صعوبة استرداد الآثار فِي عدة نقاط) منها:

إثبات الملكية: تتطلب الدول والجهات المالكة للقطع الأثريةدليلًا قاطعًا عَلَى أَنَّ القطعة خرجت بطريقة مشروعة بعد تاريخ معين (عادةً بعد اتفاقية اليونسكو لعام 1970 الَّتِي تحظر الاتجار غير المشروع بالآثار).
غياب التوثيق: غالبًا ما تفتقر القطع المهربة إلَى التوثيق الأثري الَّذِي يحدد سياقها الأصلي، مما يفقدها جزءًا كبيرًا من قيمتها العلمية ويصعب تتبعها.
التعقيدات القانونية: تختلف القوانين المتعلقة بالآثار من دولة لأخرى، مما يخلق ثغرات تستغلها شبكات التهريب.
وعلى الرغم من هَذِهِ التحديات، أعلنت القاهرة من حين لآخر عَنْ استرداد آلاف القطع الأثرية المسروقة والمهربة، وتُعد “عملية لعنة المومياء” و”عملية يد المومياء” أمثلة عَلَى التحقيقات المستمرة الَّتِي تقوم بها السلطات الأمريكية بالتعاون مع مصر لاستهداف الشبكات الإجرامية الدولية الَّتِي تهرب القطع الثقافية.

دعوة إلَى الشفافية والمسؤولية:

إنَّ وجود منصات مثل “Ancient Resource” عَلَى الإنترنت يثير تساؤلات جوهرية حول مسؤولية هَذِهِ المواقع فِي التحقق من مصادر القطع الَّتِي تبيعها، ففي الوقت الَّذِي يسعى فيه المجتمع الدولي لحماية التراث الثقافي للإنسانية، يجب أَنْ تكون هناك معايير أكثر صرامة للشفافية والمساءلة فِي سوق تجارة الآثار.
إنَّ المعركة ضد تهريب الآثار هي معركة مستمرة تتطلب تعاونًا دوليًا مكثفًا، وتوعية عامة، وتطبيقًا صارمًا للقوانين، لضمان أَنَّ كنوز الحضارات القديمة لا تُصبح مجرد سلع تُباع لمن يدفع أكثر، بَلْ تظل جزءًا من التراث الإنساني المشترك الَّذِي يجب الحفاظ عليه فِي سياقه الأصلي.

نصائح للمشتري الواعي

إذا كنت تفكر فِي شراء قطعة عبر Ancient Resource، فإليك خطوات مهمة:

1. اطلب وثائق أصلية: مثل شهادة ملكية وتوثيق سجل المؤسّسة أَوْ المتحف الأصلي.
2. افحص الشهادة: تحقق من الاسم والتوقيع وخلفية الموقّع وهل يعترف به مجتمع الآثار.
3. راجع التفاصيل الفنية: اطلب صورًا واضحة، قياسات، وصلات أكاديمية أَوْ مرجعية داعمة لوصف القطعة.
4. استشر خبير مستقل: لتقييم القطعة قبل إتمام الشراء، وخصوصًا القطع الكبيرة أَوْ الفريدة.
5. تابع المصادقة القانونية: تأكد من أَنَّ القطع المصرية تمتلك تراخيص تصدير قبل 1983م أَوْ وثائق تثبت خروجها قانونيًا.
بقلم: د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة المتفرغ بكلية الزراعة، جامعة المنيا، وعضو اتحاد الآثاريين المصريين، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الرابطة العربية للإعلاميين العلميين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى