مقالات

الدكتور قاسم ذكي يكتب عن تهريب الآثار المصرية (37): آثار مصر في بودابست: حين عبرت المومياوات نهر الدانوب

عشنا في المجر ست سنوات (1987م–1993م)، كانت من أجمل فصول العمر، في بلد صغير المساحة، لكنه عظيم في نظامه وجماله وهدوءه. لم يخطر ببالنا يومًا أن نكتشف في قلب تلك الدولة الأوروبية، اهتمامًا بالآثار المصرية، أو أن نجد بين جدران متاحفها كنوزًا فرعونية حملتها الأزمان من ضفاف النيل إلى ضفاف الدانوب، وهو ما سنتحدث عنه في الحلقة (37) من سلسلة المقالات التي تتحدث عن تهريب الآثار المصرية .

وما زاد دهشتنا وإعجابنا، أن أبواب المتاحف هناك – وهي كثيرة – تُفتح مجانًا للجمهور في عطلة نهاية الأسبوع، وكأن الثقافة حقّ مشاع للجميع. كانت تلك ميزة فريدة أتاحت لنا فرصة التجوال مرارًا في أروقة التاريخ، والاقتراب أكثر من تراث الإنسانية.

وكعادتي في كل بلد أزوره، أهرع إلى متاحفه، عيني تتوق للجناح المصري، وقلبي يختبر نبض الحضارة في تمثال، أو تابوت، أو قطعة من فخار النيل. وفي المجر، التي كانت تُلقب بـ”عروس الاشتراكية”، وجدتُ بعضًا من مصر هناك… تنتظر من يتأملها ويعيد قراءة حكاياتها.

يقع متحف الفنون الجميلة في العاصمة المجرية بودابست، وتحديدًا في ميدان الأبطال، قبالة قصر الفن، ويُعد من أبرز المتاحف في أوروبا. افتُتح عام 1906م، وقد استحق مكانته المرموقة بفضل تنوع مجموعاته الفنية واتساعها الزمني، حيث يضم أعمالًا تمتد من العصور القديمة حتى نهاية القرن الثامن عشر. كما أن معارضه المؤقتة واسعة النطاق تستقطب مئات الآلاف من الزوار سنويًا. وقد أُعيد افتتاحه نهاية عام 2018م بعد عملية ترميم شاملة، ليواصل عرض الفن المجري والدولي، بالإضافة إلى مجموعاته المتميزة من الآثار المصرية والكلاسيكية.

مسيرة المتحف ومجموعاته:

كُلف المعماريان “ألبرت شيكيدانز” و”فولوب هيرتزوج” بتصميم المتحف، وافتُتح رسميًا في اول ديسمبر 1906م بحضور الإمبراطور ” فرانز جوزيف الأول Franz Joseph I) ، 1830 م– 1916م، إمبراطور النمسا-المجر). وقد تكوّنت مقتنيات المتحف من دمج عدة مجموعات فنية مثل مجموعات يانكوفيتش، بيركر، إسترهازي، وإيبولي، إلى جانب ما تم شراؤه أو التبرع به لاحقًا. وعلى عكس معظم المتاحف الأوروبية الكبرى، لم تُبْنَ مجموعات هذا المتحف على ممتلكات إمبراطورية أو ملكية، مما يُكسبه خصوصية فريدة.

لكن مسيرة المتحف لم تكن خالية من الأزمات. فقد تسببت الحربان العالميتان في أضرار جسيمة له، خاصةً خلال الحرب الثانية (1939م – 1945م) حين نُقلت التحف بسرعة ودون تنظيم إلى ألمانيا. وعادت إلى المجر في الفترة بين 1946م و1947م، لكن كثيرًا منها تعرض للتلف أو الفقدان. كما فُصلت الأعمال الفنية المجرية عنه عام 1957م لتنتقل إلى المعرض الوطني المجري، قبل أن تُعاد إليه عام 2012م، وتُعرض مجددًا في مقره المجدد عام 2018م.

مصريات على نهر الدانوب:

يضم المتحف حاليًا أكثر من 120 ألف عمل فني، وتُعد مجموعته من الآثار المصرية ثاني أكبر مجموعة من نوعها في أوروبا الوسطى، حيث تضم أكثر من 4000 قطعة أثرية. بدأت المجموعة تتشكل بفضل عالم المصريات المجري “إدوارد ماهلر” (Eduard Mahler، 1857م-1945م) في ثلاثينيات القرن العشرين، ثم توسعت لاحقًا عبر الحفريات والهدايا والمشتريات. وتُعد التوابيت المرسومة للمومياوات من أبرز معروضاته، إلى جانب تماثيل برونزية، وتمائم، ومومياوات بشرية وحيوانية.

تعود أولى القطع المصرية التي وصلت إلى المجر إلى القرن التاسع عشر، حين جلبها رحالة وأرستقراطيون ودبلوماسيون مجريون بعد زيارتهم لمصر، خاصة أثناء رحلاتهم إلى الأرض المقدسة. وقد اشترى بعضهم هذه القطع من الأسواق الأوروبية، بينما حصل عليها آخرون كهدايا. ثم ظهرت فكرة جمع هذه المقتنيات المتناثرة في مجموعة موحدة، وتم تنفيذها عام 1934م ضمن متحف الفنون الجميلة، مما أدى إلى ظهور أول مجموعة دائمة للآثار المصرية في المجر.

تنقيبات مجرية وهدايا مصرية:

وتجدر الإشارة إلى أن أوائل الحفريات الأثرية المجرية في مصر كانت في منطقة “شارونة” بمحافظة المنيا، بتمويل من النحات ورجل الأعمال المجري الشهير “فيلوب باك” (Fülöp Bac، 1862م-1958م) المقيم في القاهرة. وقد تبرع بأغلب مكتشفات البعثة عام 1907م للدولة المجرية، بما في ذلك سبعة أجزاء من جدران معبد بطلمي، وخمسة وعشرون تابوتًا تحتوي على مومياوات، لتُعرض لاحقًا في المتحف الوطني.

عام 1912م، أُتيح للجمهور المجري لأول مرة مشاهدة هذه القطع في معرض التراث الثقافي بمدينة بودابست، وفي عام 1939م تم تجميع نحو 1200 قطعة مصرية في متحف الفنون الجميلة، تحت إشراف عالم المصريات المجري “ألادار  دوبروفيتس” (Aladár Dobrovits، 1909م-1970م)، مما شكل أول نواة لمجموعة دائمة.

بعد الحرب العالمية الثانية، نمت المجموعة المصرية بفضل تبرعات ومشتريات واكتشافات جديدة، أبرزها من مجموعات فيجيرفاري-بولسكي، وجورجي راث، ولازلو كاكوزي. كما حصل المتحف عام 1976م على قطع أثرية مقابل مشاركته في حملة إنقاذ آثار النوبة عام 1964م، والتي قادها لازلو كاستيجليوني من الأكاديمية المجرية للعلوم. كما نقلت إليه آثار من حفريات طيبة عام 1983م، أشرفت عليها جامعة إيتفوش لوراند.

اليوم، تشكل هذه المجموعة نافذة مهمة للتعريف بالحضارة المصرية القديمة في قلب أوروبا الشرقية، وتعكس مدى الاهتمام العالمي المستمر بالتراث المصري، وإن كان ذلك في كثير من الأحيان نتاجًا لحلقات من التهريب أو الاستحواذ التاريخي.

د. قاسم زكي
أستاذ الوراثة – كلية الزراعة – جامعة المنيا
عضو اتحاد الأثريين المصريين – عضو اتحاد كتاب مصر

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى